معززا بآليات ثقافة التسلية المتوحشة إستأنف الملياردير دونالد ترامب الأميركي "اللامنتمي" إنجاز حلقات الإثارة السياسية على طريقته الخاصة . داخل معلمين سياحيين مخمليين تابع العالم ولادة أكثر الإدارات الأميركية اليمينية تطرفاً . إدارة ممعنة في الرأسمالية والبياض الطبقي خرجت في غماط بلوري غير معنية باختلال العرق والجنس . بين برج ترامب في نيويورك ومنتجعه للغولف في فلوريدا ظل نجم تلفزيون الواقع يستدعي مشاهير من القطاعين العام والخاص على نمط لقاءات فتيات مسابقات ملكات الجمال بغية تشكيل حكومته المرتقبة . هي واحدة من أكثر الحكومات في بلاد ثقافة النيون – حسب تعريف يوري أندروبوف الرئيس السوفياتي الخامس – إثارة للإهتمام والجدل .
هي كذلك الإدارة الأكثر تطرفا في الرؤى السياسية، الأكثر تقدما في العمر . متوسط أعمار طاقمها فوق عتبة الستين . هي الأكثر ذكاءً حسب زعم الرئيس المنتخب وبعض قيادات الحزب الجمهوري من طراز نيوت غينغريتش رئيس مجلس النواب الأسبق . ثلة من المليارديرات وحفنة من الجنرالات يهيمنون على مفاصل صنع القرار . أسطون العقارات حرص على إدارة عملية تشكيل حكومته من داخل ممتلكاته الخاصة مواصلا الإحتفاظ بكبريائه أمام مؤسستي الدولة والحزب . الرجل متصالح مع نفسه متناغم مع وعوده الإنتخابية . ها هم صقور من قطاع المال والمؤسسة العسكرية البيض يختطفون الدولة يمارسون االسلطة بأنفسهم لا بالوكالة كما المألوف .
المليونير المنتخب إستثمر تجربته الثرة على تلفزيون الواقع كأبهى ما ينبغي في " درمنة " السياسة . مشاهير من نخب المجتمع الأميركي ؛ مليارديرات ، مليونيرات ، مدراء شركات كبرى ، جنرالات قتلة وساسة مخضرمون يحلون فرادى ضيوفا على الرئيس في برجه الفخم أو ملعبه الأرستقراطي . نساء يخطرن في أنوثة مترفة يستقبلن الزوار المدعوين عند المدخلين في لجة عدسات التلفزة . بين الإبتسامات التلقائية والمتكلفة على وجوه الغادين والرائحين يحتفظ ترامب وحده بدور المؤلف، المخرج صانع النجوم . عقب كل لقاء يصطحب المخرج الضيف في سياق إستعراضي مثير للفضول أكثرمما يوحي بالنهاية السعيدة للمشهد خلف الأبواب .
إضفاء لمزيد من الإثارة يستدعي المؤلف عددا من الشخصيات نفسها غير مرة . هو لا يتورع حتى لو أفضى ذلك إلى إلحاق قدر من الأذى ببعض المستدعين . ذلكم ما حدث بالفعل مع السناتور ميت روميني على نحو إضطره لإعلان التنصل عن السعي إلى حقيبة الخارجية مع أن حلمه كان ذات يوم البيت الأبيض . هو إحساس المهانة ذاته المكثف على كاهل رودي جولياني عمدة نيويورك الشهير إذ خرج من لقاءات دراما ترامب حطاما كبرجي مدينته.
بغية كسر رتابة "درمنة " السياسة لجأ المليونير إلى بهارات تلفزيون الواقع فاستدعى على نحو مباغت نجم الراب كاني ويست، تلك لقطة ثلاثية الأبعاد . ويست أحد أبرز النجوم السوود . في استدعائه لكمة فنية قاضية إلى نجمي الراب الأسودين جاي زي وزوجته بينوسي الفاتنة الفارعة اللذين كانا أعلنا مساندتهما العارية إلى هيلاري كلينتون بينما الحملة الإنتخابية في منعطفها الحاد . بظهور كاني ويست إلى جانب الرئيس المنتخب إبان تشكيل طاقم الإدارة السياسية يستميل دونالد ترامب قطاعا عريضا جدا من عشاق الراب ومحبي بنات كردشيان وكل جمهور تلفزيون الواقع . ظهور كاني ويست المباغت على عتبة البرج جاء خبرا مطمئنا لكل أؤلئك إذ هو الظهور الأول للنجم الأسمر منذ تعرضه إلى أزمة صحية مفاجئة على خشبة المسرح .
دونالد ترامب ذهب في " درمنة " السياسة أبعد من ذلك إذ كسر المألوف حينما إستهدف عسكرة الديمقراطية الأميركية . بين أربعة عشر وزيرا يشكلون قوام إدارته يجلس ثلاثة جنرالات على المقاعد الأكثر تأثيرا في قيادة مركبة سياسات الدولة . الجنرال مايكل فلين مستشار الأمن القومي، الجنرال جيمس ماتيس للدفاع والجنرال جون كيلي للأمن الداخلي . في الواقع يوجد مثلث يتحكم في مقود المركبة الأميركية قوامه مستشار الأمن القومي ، وزير الدفاع ووزير الخارجية. التناغم بين أضلاع المثلث يحدد إلى مدى بعيد نجاح الإدارة برمتها . بالطبع هذا لايقلل من أدوار الوزراء الآخرين خاصة وزير الخزانة .
عسكرة الديمقراطية على يد ترامب لا تنحصر في وجود الجنرالات الثلاثة فقط بل في تنصيب أحدهم على رأس البنتاغون . العرف الدستوري الأميركي دأب على إسناد المنصب إلى شخصية مدنية . العرف السياسي دأب كذلك على إنتقاء مرجعية سياسية أكاديمية في موقع مستشار الأمن القومي . من أبرز شاغلي هذه المكانة المؤثرة ماك جورج باندي في ولاية جون كنيدي ، هنري كيسنغر على أيام ريتشارد نيكسون ، زبغنيو بريجينسكي إبا ن رئاسة جيمي كارتر ، وليام كلارك في عهد رونالد ، كوندالسزا رايس خلال ولاية جورج بوش الإبن وأنتوني ليك زمن بيل كلنتون .هؤلاء ولجوا حلبة السياسة من جامعات ومراكز بحث مرموقة . كيسنغر من جامعة كولومبيا ، بريجينسكي عبر جونز هوبكينز فكلومبيا ثم هارفارد . كوندليزا رايس تنتمي إلى ستانفورد وهي ناطقة في خمس لغات .
هم طبعوا بصمات على الفكر السياسي وخارطة العالم الجيويوليتكية ؛ كيسنغر مبتدع " دفع الأمور إلى حافة الهاوية "الشرق أوسطيون يعرفونه بسياسة" الخطوة خطوة "والأسيويون بدبلوماسة "تنس الطاولة" . بريجينسكي أضفى على "الواقعية الحذرة" ألقا .هو مؤلف "قطعة الشطرنج". نحن نعرفه بنظرية "قوس الأزمات" . كونداليزا رايس صاحبة مشروع "الفوضى الخلاقة" .
التوتر داخل المثلث الرئاسي يتصاعد أحيانا على نحو يؤدي إلى إنكسار أحد الأضلاع . هكذا إستقال سايروس فانس وزير الخارجية إثر الخلافات مع بريجينسكي .هو مصير نظيره جورج شولتز في ظل الإفتقار إلى الإنسجام مع وليام كلارك . تلك هي العلاقة ذاتها بين أنتوني ليك ومادلين أولبرايت . أحيانا يغلب التوتر بين أضلاع المثلث حد الصراع المكشوف . أبرز الأمثلة لهذا النموذج يتجسد في علاقات كوندليزا رايس ، وزير الدفاع ديك شيني ووزير الخارجية كولن باول .
الإنسجام بين الرئيس وأحد الأضلاع يحافظ على تماسك الإدارة وهيبتها . تلك ميزة طبعت علاقة بوش الإبن ورايس على نحو حجب الكره بينها وبين شيني . العلاقة بين نيكسون وكيسنغر تجاوزت التوافق إلى التطابق . كذلك شكل تجانس بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر أنموذجا للإقتداء .
ترامب نأى بنفسه ضمن درمته السياسية عن المنظرين والأكادميين الأإختصاصيين في السياسة فانتقى الجنرال مايكل فلين مستشارا ."نيو يوركر" ترى في شاغل الضلع الأكبر في مثلث سياسة ترامب عسكريا "متمردا أخرقا متعجرفا عنيفا إنفعاليا " للرجل رصيد عسكري محترف على مدى ثلاثين سنة اختتمه باستقالة من رئاسة الإستخبارات العسكرية إثر خلاف مع توجهات إدارة أوباما . عقب التقاعد إتجه الجنرال إلى الندوات ، التحليل التلفزيوني من منظور المخافظين الجدد. وزير الدفاع جيمس ماتيس هو الآخر عسكري متهور . ربما يختزل لقبه المتداول علنا – الكلب المسعور- نسيج شخصيته . كلاهما خاض قتالا شرسا على جبهات ملتهبة . كلاهما يتبنان عداوة متصلبة ضد منابع الإرهاب والتطرف غير مستعدين لمهادنة موسكو .هذا الجنوح العسكري يمثل أحد أبرز محاور التناقض داخل مثلث ترامب . من الخطوط المميزة في سيرة وزير الخارجية ريكس تيلرسون نجاحه في التفاوض وإبرام الصفقات . على هذا الصعيد تأتي مكاسبه مع شركة إكسون موبيل وروسيا في صدارة محاور الجدل الأميركي المحتدم في شأن شخصية تيلرسون . مثلث ترامب السياسي مرشح ابلوغ ذروة في دراما الرئيس المرتقب .عند أي خلاف على الثالوث اليقظة أن ترامب لن يتنازل البتة عن دور البطولة المطلقة .
ترامب يستظل بشعار إسترداد أميركا عظيمة لكنه لا يجنح إلى جهة إرسال جنود إلى جبهات قتال . الأولوية لدى الرئيس المنتخب تحديث البنى التحتية ، تعزيز قطاعات الإزدهار الإقتصادي ، توسيع فرص العمل والإكتفاء الذاتي من الطاقة . هذه الأجندة الرئاسية بالإضافة إلى سيرة وزير الخارجية تعلق أسئلة ملحة أمام مدى إنسجام مثلث ترامب القيادي .
ترامب يرغب في كتابة عهد جمهوري غير مستنسخ على نمط بوش الأب والإبن . هو يرغب في إضافة اسمه إلى رونالد ريغان وجون كنيدي . هاتان قمتان في الإزدهار، فرص العمل ، الدخل القومي، الإنجاز السياسي والإلهام الوطني . في ولاية كنيدي قصيرة العمر واكبت أميركا السباق الفضائي ثم التفوق . في عهد ريغان ابتدرت أميركا مبادرة حرب النجوم ذلك برنامج أحدث نقلة نوعية في الإستراتيجية الدفاعية . ترامب اللامنتمي متحررمن أطر الحزب وضغط الاييولوجيا .في ماراثون البيت الأبيض أثبت قدرته على الإستغناء عن الحزب .هو ليس مدين لهذه المؤسسة .في قالب درامي مثير تابعنا كيف استقطب الرجل قيادات الحزب إبان مرحلة تشكيل فريق الإدارة . لما كان ريغان نجما سينمائيا فالأفق مفتوح أمام نجم تلفزيون الواقع ليصبح مؤلفا وومخرجا .
ترامب رأسمالي مغامر في آخر العمر ليس لديه ما يخشى عليه . هو يمارس السياسة بروح من يتملكه شغف التملك و الظهورالإستثنائي لذلك يؤثر لعبة " الدرمنة ". في كل مواقفه يتخذ قوالب التشويق والإثارة .هكذا هو منذ إستهلال حملته افنتخابية . كل العالم يترقب دخول ترامب وأسرته البيت الأبيض . بالتأكيد لن تكون العائلة الرئاسية الجديدة مثل سابقاتها .هي الأكبر عددا ، ربما الأكثر ثراء ،هي حتما الأكثر جرأة ، البيث الأبيض يمسي في وجودها مسرح " ساغا عائلية " بالغة الإثارة تتفرد عن أعمال تلفزيون الواقع المنتجة حاليا بمداراتها السياسية .



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.