بغض النظر عن مضمون وثيقة الحوار من حيث الإستنساخ أو الإستحداث يبرزالرهان على مساهمة النظام في إمكانية فتح نافذة على المستقبل . جذر الأزمة يتجسد في الثقة المفقودة في قدرة النظام على تغيير تموضعه لجهة الإطلالة على مشهد مغاير . النصوص المقنعة لا تكفي وحدها لصناعة الغد . الوجوه المحشًدة داخل قاعة الصداقة لم تبث بصيصاَ من الصدقية لصالح النظام أو الوثيقة . أسماء بلا بريق لقيادات بلا رصيد لاحزاب لا وجود واقعيا لها في الشارع . غياب الأسماء المألوفة للأحزاب المعروفة ألبس المشهد منذ الوهلة الأولى سحابة من الشكوك والريب .الثقة المغيبة ليست حصرا على شريحةالمعارضة من الطبقة السياسية . هي مفقودة كذلك بين النظام والقطاع العريض من الشعب .

في ظل اختلال معادلة موضوعية بين النظام والمعارضة بالإضافة إلى خلل الثقة المركب يصبح الرهان المحوري على قابلية النظام للتغيير رهانا خاسرا. هذا هدف لن يتحقق مالم يبلغ النظام قناعة ذاتية بحاجته الملحة للتغيير من الداخل اولا . وقتئذ يأتي التغيير من داخل النظام أولا باستبدال بعض – إن لم يكن كل – قناعاته من ثم ممارساته.
علل النظام بادية لكل العيون . الأمراض المزمنة المستعصية تنحصر في الإستبداد ، الفساد والأزمة الإقتصادية . النظام يتوغل في مستنقع من الإستبداد الفظ الفذ. الفساد أمسى ثقافة سائدة .الأزمة الإقتصادية أضحت قضية المجتمع بأسره . النصوص وحدها لن تعالج أيا من أعراض هذه الأمراض المزمنة . تلك مهام تتصدى لإنجازها إرادة صادقة غالبة مؤمنة بالتحول والتغيير .
التغيير يتطلب تشمير السواعد بغية الإفصاح عن مراجعة نقدية شاملة ربما تذهب لجهة إحداث ثورة في مؤسسات الدولة .الإصلاح المأمول يبدأ حينما يقارب النظام فضائل الديمقراطية . على قدرمستوى المقاربة والتوغل في العمل الديمقراطي تأتي قطاف التغيير . بما أن الأحزاب تشكل الوسائط الجوهرية للعملية الديمقراطية فلا ديمقراطية حقيقية في غياب أحزاب حقيقية .
الديمقراطية تمثل مفتاح التقدم على طريق معالجة الفساد والأزمة الإقتصادية مثلما هي ترياق الإستبداد . النظام مطالب باتخاذ خطوات عملية فورية تعبيرا عن عزمه الإقبال على إحداث تغيير فعلي . النظام مثل الوطن يحتاج الى مغادرة المأزق المستحكم الراهن المطبق عليهما . المواطن يريد دولة تسعى في خدمته لا دولة تنهض خصما له تلاحقه بالقمع ،بالأتاوات ، بالإتهامات والعقوبات. اول مؤشرات هذا التحول يتمظهر في إعادة هيكلة مؤسسات الدولة ووظائفها وعلاقاتها البينية كما علاقاتها بالمواطن .
النظام مطالب باخاذ خطوات لجهة إبداء تحولات في بنيته من حيث التخلي عن العصبية والغلظة الفظة . الدولة المبنية على العصبية دولة عابرة حسب قول بن خلدون كما الدولة القائمة على الجبروت هي في رؤيته دولة ضعيفة .إنجاز التغيير يكتمل عبر تبني النظام وثيقة أخلاقيات جديدة .ِ عندما تهب رياح على البحر فإنها لاتطهره مما تراكم تحت السطح بل يمكنها جرف قاذاورات جديدة بعيدة عنه . من ثم لا يمكن التغيير مالم نضمن انفتاح الأفق أمام هبوب الرياح على البحر الراكد.
رياح التغيير تستحدث بالضرورة سلطة قائمة على المشاركة . سلطة مبنية على القانون تأتمربه . سلطة وجهتها العدالة .دولة تضمن أمن المواطن مثلما تعمل على رفاهيته . هي تنجز كل ذلك وفق استراتيجية لاترتجل القرارات والمشاريع الوهمية . دولة تدير شوؤنها الداخلية بنفسها دون الإمتثال لتوجيهات أو تدخلات من الخارج .
بما ان كل الشعب عايش تجربة الإنقاذ منذ بدئها فتمكنها إلى إضمحلالها فهو يدرك بحسه الشفاف قدرة النظام على إحداث التغيير وما يمكن إنجازه على هذا الطريق. النظام بات أكثر إقتناعا بحتمية التغيير لكنه لا يزال غير مستعد لخوض غماره . داخل معسكر النظام أناس يحاججون ان الله مع النظام مع انهم قانعون بأن النظام ليس مع الله .هناك أناس يخشون التغيير حرصا على بقاء مكتسباتهم .بعض يتهيبون التغيير خوفا من المحاسبة . من بين هؤلاء كلهم من أخرج مشهد حوار قاعة الصداقة بغية بلوغ تسوية يحسونها مرضية مع علمهم أنها ليست مقنعة . لهذا إكتست العملية بالتبسيط المريح للراغبين في بلوغ التسوية المريحة . بين هولاء من ينشد فتح المشهد الوطني أمام التعددية السياسية عير أنهم يتحسبون فتح الأفق أمام منافسة تمس مكتسباتهم دع هدم نظامهم .هكذا جاءت الوثيقة خلاصة جهد مشترك بين زبانية النظام وزبائنه
على الضفة الأخرى ثمة قوى حقيقية ذات مصلحة حقيقية في إحداث تغير جوهري يفضي إلى تقدم على الصعيد الوطني .هؤلاء يريدون دولة تستبدل الأخلاق بالفساد ، تحل الحرية فيها محل القمع والقناعة بدل الإكراه .بين هؤلاء من ينشد دولة لا تغيب الدين غير انها ليست معلقة إلى السماء .بعض يرهن نجاح الدولة المرتجاة باسترداد الطبقة الوسطى وفعاليتها . كل أؤلئك يريدون نظاما متكاملا يتماهى مع الشعب لايتعالى عليه
في غياب الثقة المحرضة على أخذ وثيقة قاعة الصداقة على محمل الجد نافذة لمغادرة المأزق المزدوج للنظام والوطن برزت وجوه من أهل الأعراف . ظهور بعضها على إيقاع تراكمي وآخر على نحو مباغت . فرصة بعض هؤلاء كانت مهيأة لاداء دور يضيق التباعد بين النظام والمعارضة للتلاقي عند منتصف الجسر من منطلق إدراكهم مفاصل أزمة الثقة بين الطرفين . على غير المامول آثر هؤلاء جلب الحطب إلى الموقد . هم زبائن يؤثرون مطامحهم الضيقة على مصالح الشعب . مع جنوحهم إلى معسكر أهل السلطة عمدوا إلى تخويف – بل ذهبوا إلى تهديد – المعارضين بدلا عن بث الطمأنينة وكسب ودهم. هذه الهرولة المحمومة العجول لجهة استكمال مشهد الوثيقة لا تستهدف أبعد من الفوز بمكافأة في موسم الغنائم والمحاصصة الحكومية المرتقب .الكثرة وسعت معسكر النظام لكنها لم تغير في طبببعة زبانية السطة وزبائنها. الحديث المكرور عن بنا ء أرضية لكيفية إدارة البلاد كلام مبتور. النجاح على هذا الدرب لا يهمل بالضرورة تركيبة الإدارة . تلك قضية جرى تعليقها عمدا إلى ما أشير إليه بالحكومة الإنتقالية رغم كونها جواد رهان سحب العربة المعطوبة.
مضمون الوثيقة ، بل ربما نصوصها ، ليس بالمبتكر على العقلية الساسية السودانية ووثائقها الشعبية والرسمية . الأزمة في كابينة القيادة على المستويين الشعبي والرسمي . تلك القضية المحورية تجاهلتها الوثيقة لأنها لاتشكل هما لدى الوجوه المحشَدة داخل قاعة الصداقة . أولئك يشكلون جانبا من المعضلة .هم أنفسهم ترس في ماكينة الثقة المعطلة .بما أن غالبية الشعب لا تعرف غالبية تلك الوجوه كما لاتعرق المظلات المرفوعة فوق رؤوسهم فإن الشعب يفتقر إلى الثقة في منطلقات الوثيقة وغاياتها .التعددية السياسية لاتصنعها أحزاب وهمية وقيادات ضيقة القواعد والآفاق .حتى لا يغلب التيئيس فالمطلوب من النظام إتخاذ خطوات عملية فورية تؤكد العزم على إستبدال إستبداد طبعه الفظ الفذ . الطبع يغلب التطبع ، فما بالك بطبع مجدول مستحكم طوال ربع القرن ويزيد؟


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.