مع قناعتنا المطلقة – بما في ذلك أهل النظام - بحتمية الإنتفاضة الشعبية  مخرجا من الأزمة الوطنية المستحكمة إلا أننا لا نفعل مثقال ذررة من أجل تفجيرها أودرئها. كلنا نتحدث عنها. المعارضة تراهن عليها بديلا عن إخفاق الحوار. أهل السلطة يرونها قصية الحدوث ليس لوهن ظرفها الموضوعي بل بفعل عجز المعارضة. إعلام النظام يضخ هزوا  وهزرا في السياسة لكن القابضين على مفاتيح القرار لا يفتحون أبواب الوعي السياسي أمام الأمة. المعارضة تراهن على إنفجار جماهيري تحت ضغوط الأزمة الإقتصادية. غالبية السودانيين  يتنفسون تحت خط الفقر. الفقر لايفجر ثورة  - كما قال كارل ماركس – بل وعي الفقراء يفعل ذلك. رفع منسوب وعي الفقراء يتطلب جهدا دءوبا منظما. ذلك هوالإشتغال على السياسة.
أما آن أوان الإعتراف أن إنشغالنا بالسياسة يشغلنا عن الإشتغال على السياسة؟ وفي ذلك بلاء عظيم؟
التغيير لجهة  الإصلاح أو الإستبدال لن ينجز بالكلام  المجرد من الحراك المبني على القواعد الشعبية. خطابنا السياسي يراوح بين غناء فج ممجوج بماض مجيد، هجاء مسف لحاضر مظلم كئيب ومستقبل ضبابي مجهول.
  أدبنا السياسي  يشكل في غالبيته ركاما مهولا في تتبع عورات النظام أوالمعارضة او الإثنين  معا .
المساهمات الفكرية الأرفع مستوى تذهب في إتجاه البحث في شأن الدولة غير آبهة كثيرا بالخوض في شؤون المجتمع. كأنما في قناعتنا راسخة فكرة "الناس على دين ملوكهم". هي قناعة تناقض حقيقة إنبثاق الدولة عن المجتمع ليس المجتمع عن الدولة. فرط إنهماكنا في السياسة اليومية جرفنا إلى التركيز فقط على محاولات إصلاح ماكينة البيروقراطية. ترقية حال المجتمع لم تنل نصيباً مقارباً. حصاد مفكرينا ومنظرينا في الحقل السيسيولوجي شحيح مقارنة مع المبثوث في الفضاء السياسيي.
   عطاء أهل الثقافة أعلى من دفق أهل السياسة في شأن بث الوعي. مساهمات المثقفين السياسية لا تصنع دوما وعيا سياسيا متينا. كل الجائلين في المشهد الثقافي – ربما كلهم – منغمسون في ساس يسوس. غالبية إنتاجهم يشكل مواقف سياسية لكنه لايصنع فكراً سياسياً. الإنتاج في هذه الحالة المرتبكة ناجم غالباًعن عن مأزق هجين للمثقفين في أطرهم السياسية. هو وضع ملتبس ناجم عن هيمنة الكوادر التنظيمية والشعبوية على مقابض الأحزاب غير المكتملة  البناء والإستواء السياسي.
  القابضون على زمام المقاليد  في البنيان السياسي يرفضون التسليم بحقيقة أساسية محورها السلطة تعبر عن المجتمع بأسره ليس الشريحة  القابضة    وحدها بغض النظر عما كانت الشريحة طبقة إجتماعية أو فئة من طبقة. التسلط الفكري يفرغ طاقات التلاقح، التعايش والتسامح. هيمنة الأيدولوجيا الاوحادية الصماء تفضي لا محالة إلى نظام أوليغارشي. أهل السلطة السادرون في الإستبداد يتجاهلون – ربما لايدركون – حكمة غوتة "العالم يتقدم إلى الأمام بفضل الذين يعارضون" . حتماً لم يسمعوا بها أو بأمثالها. العقل الأيديولوجي منحاز بالضرورة، يقيني الهوى يضيق عنده الفكر النقدي كما يضيق به. في مثل هذه البيئة تتاجج الإنقسامات  الحزبية والمجتمعية.
  على الضفة المقابلة  لا يجتهد المنادون بالتغيير في بلورة مراجعة نقدية بغية تجاوز السقوط في الإخفاق مجدداً أوإعادة إنتاجه. المفترض في أي مشروع تغيير إستلهامه  مضامين حديثة يتبنى تنفيذها بوسائط وآليات عصرية. الكلام هنا عن الإلتزام ببرنامج محدد المهام والأوليات. في مشاريع التغيير الكبرى لاينصب التركيز على إدارة الدولة وحدها. الرؤية الأنفذ تذهب إلى  إعادة بناء  أو معالجة الهرم الإجتماعي برمته. التغيير عملية إجتماعية في المقام الأول يحكمها عقل رصين. بما أن التغيير لا  ينجز في خطوة واحدة  فإنه لايقبل التجزئة. نعم في الحالتين ينبغي التمرحل.
     الأزمة الراهنة ليست سياسية محضة بل هي بنيوية متكاملة. الدولة  تتحمل  وزر الكساد العام . دفع  الشعب  باهظاً كلفة التردي لا يعفيه من مسؤولية عبء مواجهة الواقع. التغيير لايتم بالوكالة أو التفويض. صحيح ثمة طليعة  تتصدى لقيادة عملية التغيير. هذه الطليعة غير مكلفة وحدها بانجاز المهمة. هي  في الواقع لا تسطيع النهوض بها منفردة. فلاح النخبة تتمثل في ضخ الوعي في  شرايين المجتمع. الجبهة المستهدفة الأولى هي القوى صاحبة المصلحة القصوى في إنجاز التغيير.
    كما يقول تشارلز كلاوس "أهل الفكر هم الذين  يحكمون لأنهم يصنعون الرأي العام"  لهذا لن يفلح الرهان على حدوث إنفجار مباغت بفعل غضب شعبي عارم. التجربة من حولنا تكشف ذهاب النظام لايعني زوال مؤسساته القابضة على الرقاب "الدولة العميقة" . لمؤسسات المجتمع المدني يد عليا في  دفع عملية التغيير في مسارها القويم إلى غاياتها المشتهاة. من ثم يصبح بناء هذه المؤسسات وضخ الوعي في اوصالها خطوة محورية على طريق التغيير المنشود. حينئذ تتشكل آليات مقتدرة  قادرة على توسيع دوائر الوعي والحركة الإيجابية ثم ملء الفراغ عند الحوجة.
اياً جاءت خلاصات "الحوارالوطني" المنتظرة فإنها لن تشبع طموح الباحثين عن التغيير الجوهري. تلك ليست أكثر من  تسوية فوقية بين أطراف غير متكافئة. ديباجة البيان تنطوي على عبارات وجمل طنانة جاذبة  لكنها تفتقد القوى ذات الوعي بها وصاحبة المصلحة فيها. جميل سماع كلام على شاكلة "توسيع المشاركة في القرار، تداول السلطة، إحترام سيادة القانون" . في غياب القوى المستنيرة الفاعلة  لن يتجاوز ذلك – في أفضل التوقعات – نوايا ترميم الواجهة. مثل تلك النوايا لن تبلغ  - وفق أسمى مراميها – البنى التحتية للدولة. هي البنى المهترئة المتآكلة حيث لا مجال لعمليات التجميل بل إعادة البناء المجتمعي.¬¬¬¬¬ ا التقدم يكمن في بنا وطن موحد إتحادي الهوى. أي قيادة غيرمؤمنة بتلك القناعات تجنح إلى مقاومة يائسة لحركة التاريخ .
تلك قناعات يتطلب ترسيخها إشتغال دؤوب على السياسة بغية ترسيخها وسط قواعد العمل الوطني إذ هي القوى الفاعلة المراهن عليها إنجاز التغيير. بث الوعي كان أفضل فضائل رواد حركة التغيير الوطني .أبكار الخريجين لم يدركوا فقط تلك الحقيقة بل نهضوا بكلفتها على الصعيدين الذاتي والعام. ثورة أكتوبر انجزت بجهد حملة مشاعل الوعي على كافة المستويات الإجتماعية. إنخفاض منسوب الوعي لاحقاً أفضى إلى تجربة ديمقراطية ثالثة هشة مما ساهم في إنهيارها المجاني. الإخفاق في التقدم على طاولات الحوار ناجم عن الفشل إزاء النهوض ببث الوعي وسط الجماهير. في تلك الأزمان ثمة ساسة مبهرون يشكلون رموزاً للوعي والإلهام والإقتداء والمحاكاة. على قدر الضجيج في المشهد السياسي حاليا يخلو المسرح من الرموز المؤثرة.
 
 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.