الانحياز المطلق لجهة تفعيل الحوار الوطني لا يصطدم بجهود توحيد أي من القوى السياسية. كل جهد يصب في هذا الاتجاه ينتزع التقدير. تجاوز الانقسامات الحزبية المتناسلة مسألة إيجابية من شأنها تعزيز قضية الحوار الوطني.
بهذه الرؤية ننظر بالاحترام إلى محاولات رأب الصدع بين المؤتمر الوطني والشعبي. بالروح نفسها نرفض تآمر المؤتمريْن بالقفز فوق التهيؤ العام للتقارب وقطع الطريق أمام الحوار الوطني بالرجوع إلى احتكار السلطة وممارسة إقصاء الآخرين.
هذه رؤية مجزوءة مسرفة في القصور والانتهازية. نحن  نعايش أزمة وطن ولا نعاني فقط أزمة تنظيم. نحن نواجه مكابدة شعب معقدة وليس مجرد محنة حركة سياسية منقسمة.
زج قضية نبالة الحوار الوطني في زقاق حزبي ضيق لن يفرّج الأزمة الوطنية بل يزيد آثام قيادات المؤتمريْن بقدر ما جردوا القضية من وطنيتها وشعبيتها. مثل هذا التوجه يعري ضعف وعي القياديين المنقسمين إذ إنه يفضح قعود عقليتهم عن النمو عبر حركة التاريخ ومن ثم الافادة من التجربة المتراكمة طوال ربع القرن الأخير .
لو أن مثل هذا التوجه يفضي إلى فاعلية داخل النظام على نحو يبلور مؤسسات قوية تنتج سياسات تحدث نقلة نوعية بالشعب من الإحباط إلى الأمل لنشرنا بدورنا مظلة التفاؤل، غير أن المؤتمر لم يتجاوز وهو في أقوى تماسكه أكثر من الاستئثار بالسلطة والثروة وتدمير مؤسسات الدولة البيروقراطية والانتاجية، مشروع الجزيرة مثالاً.
احتباس مناخ الحوار الوطني تحت سقف توحيد المؤتمرين الوطني والشعبي يكشف عدم قدرة استيعاب نتائج الربيع العربي.
على الرغم من إخفاق الحراك الجماهيري العربي إزاء بلوغ غاياته السياسية المرتجاه إلا أنه فجرَّ وعياً قومياً على المستوى الفردي والحزبي والشعبي.
حراك الربيع العربي طرح كذلك أسئلة جديدة عن رعاية الدولة وفعالية المؤسسات ووضع على نحو حاسم الحرية فوق القمع كما بدد بصورة قاطعة احتمال الصبر على الاستبداد والفساد.
إخفاق الربيع العربي لا ينفي ترسيخ قناعات إيجابية في الوعي الشعبي أبرزها أن القوة الجماهيرية تفوق ماكينات القمع. لعل كل القيادات في الوطن العربي أدركت ملياً أنه لم يعد في الإمكان ترويض الجماهير أو احتواء إرادتها.
إذا لم يواكب قيادات المؤتمرين الوطني والشعبي مثل هذه القناعات الجماهيرية فعليهم إدراك أن العالم ولج مرحلة تتقدم فيها الشعوب بمراكمة معطيات التكنولوجيا والتحرر من قيود الأيديولوجيا. في عالم اليوم تُقاس مكتسبات الأنظمة بما تحقق في مجال الإنجازات المميزة.
الفارق بين الأنظمة لم يعد على مقياس الديكتاتورية والديمقراطية فقط بل اكثر من ذلك وفق معايير الدولة الفاعلة والدولة الرخوة حسب رؤية صمويل هتنغنتون.
الشعب السوداني أهدر نحو ربع القرن تحت مظلة الحركة الاسلامية متماسكة، ومتشظية فتعطلت حركته بهيمنة الثيوقراطية على الدولة والمجتمع. السودان ليس استثناء. الدولة الثيوقراطية ظلت تؤجج عبر التاريخ التشظي السياسي والأمني والطائفي. ذلك هو الحال المعاصر في إيران، العراق وسوريا. دولة الإنقاذ ليست خارج المعمورة، كما هو الحال دائماً فإن استبداد الدولة المركزية يبدد طاقات التسامح الاجتماعي. لهذا برزت بؤر التطرف على عهد الإنقاذ أكثر عدداً وخطراً من أي وقت سوداني مضى.
على نقيض غايات المشروع الحضاري في شأن التطهير والتطهر استفحلت أعراض الرذيلة على الفضيلة ومظاهر غلبة الشيطان على الإنسان الأكثر خطورة من ذلك استثمار الدين على نحو أفضى إلى استشراء الخرافات.
النظام لم يخفق فقط في اجتراح مشروع وطني جاذب بل ذهب إلى خلق بيئة حاضنة للأزمات الأولوية فيها للمعالجات الأمنية على حساب الرؤى الاقتصادية والسياسية.
كما هو حال الأنظمة الثيوقراطية يصاب الجسم السياسي للحركة المركزية بأمراض الانقسامات وتتنازع مراكز القوى اختطاف سلطة القرار وفرض الأمر الواقع. هناك دوماً راديكاليون وبراغماتيون، محافظون وليبراليون اصلاحيون. كما في النموذج الإيراني ظلت الخسارة حليفة الاصلاحيين أمام المحافظين. هكذا خرج ابو الحسن بني صدر متسللاً بروحه وبدنه. على نحو مماثل تراجع حظ محمد خاتمي. أحمدي نجاد انتهى إلى الخسارة عندما توهم قدرة على مناطحة قطبي النظام، المرشد والحرس الوطني .
من الزاوية الفكرية ذاتها ننظر إلى المفاصلة التاريخية عند إقصاء الترابي خارج نظام هو عرابه.. وعلى النسق نفسه نرى خروج الطبيب زين العابدين ومفاكريه مبكراً وإخراج غازي صلاح الدين ومناصريه لاحقاً.
وبالعين نفسها نعترف بحق الجميع في إعادة تجميع أنفسهم تحت مظلة واحدة. نحن نرفض فقط اختطاف شعار الحوار الوطني بقصد اعادة إنتاج ربع قرن من الفشل والإقصاء.
الوطن في حاجة ماسة إلى استنفار شامل وإعادة اصطفاف على نسق حر بناء على نحو عاجل يتجاوز به الشعب الارتباك والتجزئة. الوطن أحوج ما يكون إلى خطة إصلاح طويلة الأمد من أجل اعادة البناء المستدام. الشعب أكثر حاجة من أي وقت مضى إلى مشروع وطني جاذب برؤى الجميع ورضائه.
المؤتمران الوطني والشعبي لم يبددا فقط وهما في أوج قوتهما المتحدة فرص بناء نظام على قاعدة شعبية عريضة بل أجهضا دور السودان دولة قادرة على الريادة في محيطيها الافريقي والعربي.