انفضاض جولات أديس أبابا بلا موعد جديد وضع المفاوضات على حافة الغضب الإفريقي. أمبيكي  أعرب عن ملمح من تلك الحالة في بلاغه الأخير في العاصمة الإثيوبية. صمت وفد الحركة عقب إسدال الستار على المفاوضات يفصح عن جانب من ارتباك الوفد قبل وإبان الجلوس إلى مائدة التفاوض.
في رده على مقترح الوسيط المفوض قفز الوفد فوق مياه غزيرة جرت تحت جسور المنطقتين والوطن والمجتمع الدولي. التباين بين الوفدين لم يكن في الواقع محوره أجندة مسودة الاتفاق الإطاري، بل مقاربة محوري التفاوض، قرار مجلس الأمن الدولي 2046 الصادر في 2 مايو 2012 واتفاق مالك – نافع في 26 يونيو 2011.
ربما، لأن إعلان النوايا المرفق مع دعوة الوسيط اجتزأ عمداً من القرار الدولي والاتفاق الثنائي ما يرضي طرفي المفاوضات، ذهب كل منهما أبعد مما ينبغي في المواقف. من اليسير تبرير القفز والجنوح بالتشابك بين القرار الدولي والاتفاق الثنائي، لكنه تشابك لا يبلغ حد الالتباس عند التمحيص.
بما أن كلاً من القرار الدولي والاتفاق الثنائي يكمل أحدهما الآخر، فإن ذلك يهيئ هامشاً للتشابك والالتماس. غير أن هذا الوضع لا يضعهما على مدرج التماهي أو التناسخ.
قرار مجلس الأمن الدولي يدعو الطرفين إلى مواصلة التفاوض على أساس اتفاق أديس أبابا الثنائي، ولا يشير القرار الدولي البتة إلى تطبيق هذا الاتفاق.
إلى أديس أبابا يذهب وفد الحركة محملاً بأعباء ثقال لا يتحملها هامش المناورة المألوف. إضافة إلى طموحات ذاتية مشروعة لجهة استقطاب شعبية وطنية، يثقل الوفد كاهله بمسؤولية تجاه شركائه في الجبهة الثورية وحلفائه في قوى الإجماع الوطني. تلك الأعباء ضيقت هامش المناورة في جولات أديس أبابا الأخيرة. بدلاً من دفع كل تلك الغايات إلى الأمام فقد الوفد مرونة الحركة حتى بدا من الصعب تحديد ما إذا كان قد قفز إلى الأمام خطوة أم إلى الوراء خطوتين.
الاتفاق الثنائي منح وفد الحركة ورقة رابحة لجهة صياغة موقف سياسي مشترك مع وفد الحكومة للذهاب به معاً إلى مائدة الحوار الوطني. هذا الإغراء فقد جاذبيته أمام إلحاح الأطراف السودانية والإقليمية الدولية، لجهة تأمين وصول الإغاثة والمساعدات الإنسانية إلى المتضررين من النيل الأزرق وجنوب كردفان.
إضافة إلى الإلحاح السياسي الدولي، فإن هذه المسألة تكتسب بعداً أخلاقياً. بما أن هذه الغاية لا يمكن إنجازها تحت إطلاق النار، فإن وقف العمليات العدائية يشكل شرطاً لا غنى عنه. ذلك شرط نص عليه اتفاق مالك – نافع. إصرار الحركة على تقييد هذه المهمة بسقف زمني وإطلاق يدها، أصبحت قفزة إلى الوراء. وقف النار في المنطقتين أضحى مطلباً تجمع عليه كل التيارات السياسية في السودان والقوى الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة.
صحيح لم يلتزم النظام بتنفيذ هذا البند في حيزه الزماني المنصوص عليه، لكن القفز فوق الاتفاق الثنائي برمته يبدو كذلك ارتداداً إلى الوراء. القرار الدولي يطالب الطرفين بقبول الاقتراح المقدم من قبل المنظمة الدولية والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، بتوفير ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية. النكوص عن هذا التوجه يجرد مرتكبه من تعاطف المجتمع الدولي.
مع الاتفاق على المساعدات الإنسانية والإجراءات السياسية والترتيبات الأمنية محاور أساسية للتفاوض، فإن اتفاق مالك – نافع لم يمنح أي محور أولوية على الآخرين. في المقابل ينص مشروع الاتفاق الإطاري المطروح من الوسيط على التقدم على المسارات الثلاثة في نسق متواز ومتزامن من أجل اختزال وقت التفاوض وزمن معاناة سكان المنطقتين.
أمبيكي لم يعرب في بلاغه الأخير في أديس أبابا عن امتعاضه فقط تجاه الجمود في التفاوض، بل ذهب إلى تحميل الحركة مسؤولية الاصطدام بالجدار.
ذلك يشكل البند القاطع في تقرير أمبيكي المرتقب إلى مجلس الأمن الإفريقي. هو محور القرار المتوقع من المجلس القاري. كل الاحتمالات تصب لجهة إصدار المجلس تفويضاً جديداً إلى الوسيط الثلاثي لاستئناف التفاوض بين الطرفين من أجل بلوغ تسوية. الأرجح أن يعيد أمبيكي الوفدين إلى طاولة الحوار حول مقترحه القديم.
أمام وفد الحركة متسع من الوقت لإعادة ترتيب أوراقه بهدف الخروج فوراً من مأزق الارتباك الحالي، آخذاً في الاعتبار أن القرار الدولي يعالج مسألة المنطقتين باعتبارها إحدى القضايا العالقة من تداعيات نيفاشا. من هذه الزاوية، فإن المسألة تبدو قضية بين الشمال والجنوب وليست قضية سودانية. كذلك فإن اتفاق مالك - نافع منصة انطلاق للتفاوض لا يشكل تطبيقه ضرورة حتمية. الوفد يدرك بالطبع أن الاتحاد الإفريقي مثل الجامعة العربية، نادٍ للحكومات، وليس تجمعاً للحركات الثورية.
الحركة تحقق إنجازاً باهراً إذا عادت من أديس أبابا بضمانات مشاركتها والحركات المسلحة في مائدة الحوار الوطني. على المؤتمر الحاكم الوطني الاقتناع أنه لن يحصل على دعم إقليمي أو دولي ما لم يطوِ ملفات المنطقتين على نحو بناء.