الجهد الوطني الفارق في اللحظة السودانية الماثلة يتجسد في استعادة فرصة الحوار الوطني المبددة في تداعيات الخطاب الرئاسي الشهير. لدى الجميع – سلطة، معارضة وحملة سلاح – قناعة مشتركة بأن الحوار يمثل أقصر الطرق للخروج من مستنقع الأزمات الحالي. بل هو كذلك أقل الطرق كلفة.
نعم هناك فوارق في المنطلقات والقناعات في الحوار وجدواه تحدث فجوات بين الفرقاء. تقريب الفوارق وردم الفجوات هو بالضبط ما ينبغي تركيز الجهد الجماعي المعافي في هذه اللحظة.
من غير المجدي الاستغراق في محاولات فض الاشتباك عما إذا جاءت منطلقات الحوار براغماتية أم خالصة لوجه الوطن. تركيز الجدل على «حكومة انتقالية أو قومية» يفضح قصوراً في الرؤى يجهض اللحظة الفارقة وطموحاتها.
الأكثر جدوى للشعب والوطن بلوغ قناعة مشتركة على أننا أمام مفترق خيارات بين مواصلة كلفة البقاء في مستنقع الأزمات أو الاستعداد لدفع فاتورة جهد الخروج منه.
إذا كان المؤتمر الوطني غير قادر على ممارسة نقد ذاتي جهير فنحن لا نريده المثول بين يدي قديس للاعتراف باقتراف خطايا مدمرة. الأفضل للجميع إعلان المؤتمر استعداده لدفع فاتورة الحوار باعتبارها أهون عليه من مواصلة تحمل كلفة الاستمرار.
ثمة حقائق لا يمكن المكابرة إزاءها. من تلك الحقائق وهن قدرة الدولة على الفعل والإنجاز. بغض النظر عن مدى ضعف فصائل المعارضة السلمية والمسلحة فإنها تشكل قوة قادرة على التعطيل.
اذا كانت سلطة المؤتمر تتباهى بتحقيق انتصار ما فإن ذلك يتم مقابل هزيمة شاملة للمجتمع. انتشار الفقر أكثر ما اعترف به الخطاب الرئاسي الشهير.
في ظل انتصار السلطة يتفشى الفساد الممنهج والنهب المنظم. بالتزامن مع استمرار الشريحة الإنقاذية في السلطة تتآكل طبقة النخبة بعوامل تعرية متعددة. على نقيض مشروع حضاري رافع تنهار قيم المواطنة. مقابل صعود طبقة طفيلية من رجال المال والأعمال تعرضت الطبقة الوسطى – حصان رهان التغيير – للتصفية والموات.
إذا كان طول البقاء في السلطة يجسد مفخرة فإن استشراء الحروب الأهلية في جنبات الوطن ينغص من فرص المفاخرةويقلل من حجم التباهي.
على الضفة الأخرى لا يكفي دمغ النظام باختراق صفوف المعارضة واحتواء بعض من أجنحتها أو عناصرها مبرراً لقعود فصائل المعارضة وتشرذمها. الاتفاقات الثنائية واللهث العجول وراء المغانم والمكاسب أفضيا إلى انطفاء قيادات المعارضة.
إذا كان تحت مظلة النظام يوجد تحالف داخلي يشكل مداميك أمام حركة التغيير فهناك بالمثل قيادات معارضة تجسد عقبات أمام جهود الاصطفاف. على هؤلاء وأولئك الإفصاح عملياً عن استعدادهم لدفع فاتورة الحوار باعتبارها أخف عبئاً من كلفة الاستمرار على ما هو عليه. كل الفرقاء مطالبون باستيعاب أن اللحظة السودانية الفارقة تجاوزت محاصصة المناصب إلى رحاب أوسع تستهدف بلورة عقد سياسي جديد يؤسس لمرحلة سودانية حديثة قوامها فكر منفتح ورؤى ديمقراطية.
آلية الحوار تهيئ فرصة ملائمة لاستعادة اللحظة السودانية الفارقة. في رسائل متبادلة بين الواثق كمير وقيادي نافذ في النظام يشدد الناشط السياسي على «الشروع الفوري في التفاكر حول كيفية وآلية الحوار الوطني وأجندته والمشاركين فيه ومواعيد انعقاده يعد بمثابة المؤشر لجدية وصدقية الحزب الحاكم».
كمير يقر بأن الخطاب يشكل توجهاً ايجابياً ونقلة نوعية ملحوظة في خطاب الإنقاذ ويعدد: «إعلاء الوطن على الحزب، التحرر من الإيديولوجيا، الاعتراف بجميع مكونات المجتمع وبدورها في إنجاز التغيير وبدورها في عملية السلام والإقرار بأن التنافس الانتخابي لم يكن مكتملاً» إلا أن الناشط الأكاديمي يشدد على عدم حصر تفاهمات المؤتمر مع ما أسماه «ترويكا مولانا والإمام والبابا» ويدعو إلى توسيع قاعدة التفاهمات لتشمل كل مكونات الجبهة الثورية وقوى الإجماع الوطني. كمير يحذر من مغبة مواصلة التعامل مع الحركات المسلحة وفق منهج الاصطحاب والإلحاق.
كمير يختتم رسالته داعياً الشخصية القيادية النافذة في النظام إلى اختيار «الطريق الذي تسير عليه تونس ونستلهم من تجربتها التوافق بين كل القوى السياسية» منتهياً إلى «الخطوة التالية المتمثلة في تحديد آليات تحقيق السلام وتنظيم الحوار الوطني هي التي تشكل التحدي الحقيقي لاختبار مصداقية المؤتمر».
في رده على كمير يقول القيادي النافذ في النظام «الدعوة للحوار لم ولن تكون انطلاقاً من ضعف في المواقف أو قلة الحيلة. لعلك توافقنيأن المعطيات المحيطة بالدولة أو الحزب أو الاثنين معاً أفضل مما سبقهما».
ربما تكفي هذه الفقرة من الرسالة للإجابة عما إذا كان المؤتمر الوطني مهيئاً لتسديد فاتورة الحوار والتغيير. في الفقرة لا نقول قراءة مبتسرة لكنها تفتقد كذلك للجرأة والموضوعية. كلاهما شرطان لازمان لعبور الجسر.
لهذا استهل كمير رده على رسالة القيادي النافذ قائلاً «لاشك أنك تعلم أنني لا أدير معك سجالاً من أي شاكلة.. بل أود نقل الحوار للأمام». ثم يضيف «يظل السؤال الرئيسي وما يتفرع عنه كيف يتم الحوار وكيف يمكن التوصل للسلام؟». هذا السجال جدير بالرجوع إليه وكذلك حال المعارضة على الضفة الأخرى فهي معنية بكلفة الاستمرار على تشرذمها وفاتورة الحوار.