على قدر فيض الرهان على شخصية الرئيس جاء فائض الاحباط إزاء خطاب قاعة الصداقة المثير للجدل. ثمة قناعة متفشية على أوساط متباينة بأن أقصر الطرق للخروج من مستنقع الأزمات الراهنة يتمثل في استبدال الرئيس جلباب الحزبية الضيق بثوب قومي فضفاض يسع جميع القوى السياسية.
رياح «الربيع العربي» رفدت توجهاً محلياً يناقض اتجاه تلك الرياح. هذا التوجه لا يفصل فقط بين النظام ورأسه بل يرى في بقاء الرئيس حصانة للحفاظ على بقاء الدولة. مع أن توصيف الأزمة في الداخل والخارج يؤكد وجود أمراض وأعراض متماثلة حد التطابق إلا أن الرهان على الرئيس في الحالة الداخلية يرتهن إلى حالة الجسد السياسي السوداني.
مع التسليم بهيمنة المؤتمر الحاكم على مفاصل الدولة والثروة والاستعلاء على الخصوم والمنافسين،هناك قناعة لدى الجميع بأن قدرات المؤتمر المالية لم تعد تعينه على ضمان استمرارية ولاء أذرعه السياسية والعسكرية والقبلية. الأهم من ذلك عجزه الفاضح تجاه تفكيك خناق الأزمات الحياتية اليومية.
في المقابل، يغلب على مشهد المعارضة قعود لا يحرض على إمكانية إنجاز تغيير جذري في بنية النظام. بغض النظر عما إذا كان ذلك بالوسائل السلمية أو الثورية. هبة سبتمبر أوضحت أن الكلفة ستكون باهظة حال اعتماد الشارع على طلقه الذاتي.
في هذه الأثناء يحذر البعض – في مقدمتهم زعيم حزب الأمة – من مغبة محاولة التغيير بالقوة. باعتبارها ستبوء بالفشل ومن ثم ستمنح النظام القائم أوراقاً لممارسة مزيد من الاستبداد والاستعلاء والإقصاء. المهدي يحذر حتى من نجاح إطاحة النظام بالقوة من منطلق أن كل انقلاب ثوري ضد نظام قائم فرض وصاية دكتاتورية غالبة.
لعل الدكتور الواثق كمير يعبر عن شريحة وسط المثقفين غير المنتمين عند طرح ورقة معنونه «الكرة في ملعب الرئيس». كمير رأى في البشير المسؤول الأول عن «أهم عملية انتقال سياسي وتحول دستوري بعد الاستقلال في 1956. كمير لايزال يعتقد أن أمام الرئيس فرصة ذهبية للعب دور تاريخي حاسم، الأمر الذي سيحوله إلى بطل قومي». الورقة حددت شروطاً لإنجاز ذلك الدور القومي، لعل أبرزها توسيع قاعدة الحكم بتمثيل القوى ذات الثقل السياسي في حكومة قومية تتولى معالجة قضايا التحول الديمقراطي.
أهمية ورقة الواثق كمير تتأتى من كونه أحد حملة مشروع «السودان الجديد» غير المنغمسين في سوق السياسة الاستهلاكية. ربما أصبح هذا المشروع أكثر إلحاحاً رغم وقوع الانفصال. هو نفسه المشروع الذي اسماه البعض في المؤتمر الحاكم «الجمهورية الثانية» هو المشروع الذي اسماه المهدي «السودان العريض»، إذا تعددت الأسماء فالقناعة واحدة بحتمية صوغ مشروع وطني حديث.
من هذا المنظور خطف الحديث عن الهوية في الخطاب الرئاسي المثير للجدل الأبصار والبصائر. هي النقطة الأكثر بهاء في الخطاب والأعلى ذروة. تسليط الضوء عليها أكثر جدوى من زج الخطاب برمته في عتمة النقد السياسي المثبط للهمم.
في الخطاب الرئاسي اعتراف ضمني بإخفاق «المشروع الحضاري» الذي رفعه النظام على مدى ربع القرن الأخير، وأفضى في تداعياته الخاسرة إلى ضياع ثلث الشعب والوطن وثلثي الثروة.
الهوية ظلت قضية ساخنة على المنصة السودانية. الدكتور حيدر إبراهيم علي، يرى الهوية السودانية مفهوماً لا يزال ملتبساً يصعب تحديده وتعريفه، انطلاقاً من أننا «أمام كيان فسيفسائي لم تندمج وتنصهر عناصره طوال التاريخ».
مسألة الهوية ظلت تجسد أحد الأعمدة الأساسية في مشروع «السودان الجديد». من منطلق أولوية الاعتراف بالتنوع الإثني والثقافي والديني والبناء على حق المواطنة بغية فتح الأفق أمام الوئام والسلام والحرية والعدالة.
الرئيس يقر علناً: «هويتنا تنبع من إفريقيتنا وعروبتنا دون أن يتعالى عنصر على الآخر.. والإقبال على أحدهما باستثناء الآخر عقوق والزهو دون الآخر غرور.. لا يجب أن نحترب على الهوية»، هذا حديث لا يجافي المنطق بل ينطلق من الواقع. ما من رؤية يمكن أن تناقض أو ترفض هذه المقاربة. نعم، ثمة تباين في الرؤى تجاه الإصلاح «والوثبة» والتخطيط الاقتصادي ومعالجة الفقر. الإجماع على قضية الهوية يصلح لنصب قاعدة حوار وطني شامل. الحوار يظل أقصر الطرق وأقلها كلفة على خارطة البناء الوطني.
استغرقنا 25 سنة من العناد والمكابرة لنبلغ الاعتراف بأن الإصرار على إقامة دولة دينية يؤدي إلى فتوق في نسيج المجتمع وشروخ في خارطة الوطن. دفعنا غالياً لنبلغ قناعة بأن الدستور وليس الدين هو مشروع الوطن الديمقراطي الجديد. بالحوار المتفتح نختزل معاناة طويلة لبلورة توافق على أن التغيير يتم إنجازه باستبدال الرؤى والمناهج والآليات وليس بتغيير الوجوه والمناصب.
من اليسير صب جام النقد على المبادرة باعتبارها ناقصة لا تجترح حلولاً للأزمات أو تبث مناخاً للحوار أو ترسي قواعد للبناء الوطني. من اليسير التشكيك في مصداقيتها أو رجمها بالتعمية وتمرير أهداف غير مرئية للعيان العام. مثل هذه المقاربات يحقق مآرب الآخرين ولا ينفع الصالح العام. التحدي الحقيقي يكمن في اغتنام المتاح والممكن لتصحيح المسار بدلاً من إهدار مزيد من الوقت في انتظار الذي لا يأتي.