إذا رجمنا النظام بالفساد والاستبداد علينا جميعاً الاعتراف علناً بأننا ارتضينا معايشة هذا الوضع المأزوم طوال ربع القرن الأخير. صحيح ثمة نوبات غضب فردية غالباً وجماعية نادراً انفجرت على مستويات متباينة في أزمان متفاوتة. لكنها لم تبلغ مرحلة الثوران الشعبي.
من هنا يبدو الاستغراق في الجدل حول ديباجة الخطاب الرئاسي ضرباً من اللجاجة أكثر جدوى منه النفاذ إلى جوهره بغية اختراق حاجز الخمول السياسي المهيمن على المشهد العام.
بغض النظر عن غياب بشارات الوعد بإرساء البنى التحتية لحوار وطني ناجح وبث مناخه يمكن تكريس الضوء على النصف الملآن من الكأس. دعوة الحوار الوطني تشتمل في حد ذاتها على أكثر من دلالة إيجابية.
من هذه الدلالات الاعتراف الضمني من قبل النظام بالتوغل في متاهات مفضية إلى التدهور والترهل والتضخم. خلو الخطاب من النقد الذاتي العلني لا يقلل من قيمة الاعتراف الضمني المتجسد بالنداء إلى الحوار واستنفار الجهد الجماعي. هذه الدعوة تعلي من شأن الخطاب ولا تحبسه عندما تتم قراءته في ظرفه الوطني.
توقيت النظام يفرض كذلك ملمحاً من استيعاب النظام أن مخزون الجماهير من احتمال شراسة الأمن إبان هبة سبتمبر أعظم من ماكينة القمع.
صحيح أن الخطاب بدد بجوهره المبتسر لحظة وطنية كانت تبدو عبقرية لجهة الاصطفاف الوطني. إلا أن ذلك الإخفاق ينبغي ألا يزيد القعود السياسي العام قصوراً. بل الأفضل السعي لتكريس ما هو متاح من اللحظة الفارقة المبددة من أجل الاستنفار الشعبي بدلاً من الإجهاز على تلك اللحظة.
مكامن الأزمة وأعراضها لا تستدعي الإبانة. الاستغراق في هذا الغم يشكل ضرباً من الهجاء الماشوسي غير الملائم للحظة التاريخية. كذلك المشاعر الشعبية المتطلعة للعدالة والكرامة والديمقراطية والصحة أعمق من الشعارات الزائفة والولاءات العابرة. السواد الأعظم من السودانيين مسلمون مؤمنون يؤدون واجباتهم الدينية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتواصون بالحق وبالصبر.
على نقيض هذا السواد فإن النخبة الحاكمة تعرضت لشهوة السلطة والمال ولم تنج من الفتنة.
الإخفاق النخبوي لم ينحصر في ضفة السلطة. إذ تعرضت النخب المعارضة إلى التفسخ والاهتراء والتمزق والإغراء على نحو أضعف إمكانية الرهان الشعبي في التغيير.
هذا الاهتراء العام يطرح أسئلة ملحة وساخنة إزاء إمكانية آليات الحوار الوطني المفترض على قدرتها في الخروج بالوطن من نفق الأزمة العتم – كل الأحزاب فقدت مناعة التماسك التنظيمي فتشظت إلى أجنحة تفرخ أجنحة مهيضة. هذا التفتت يفضح أنيميا فكرية بائسة. هكذا تضافرت المعارضة مع النظام على تعزيز الثقافة السلبية في المشهد السياسي. إذ غاب تماماً الفعل الجماهيري الإيجابي.
الحاجة الملحة إلى الإصلاح أكثر وضوحاً من الاجتهاد لتفسير أو نقد ديباجة الخطاب أو العزف على ضرورة إجبار النظام على الاعتراف العلني أمام الرأي العام بالأخطاء الفادحة. كلتاهما، وضوح الخطاب السياسي وممارسة النقد الذاتي فضيلتان ترقيان إلى مستوى الركن غير أن التعمية عليهما لا يبطل الفرض السياسي الوطني الماثل المتمثل في الحوار الوطني من أجل التغيير.
ذلك فرض لا تستوجبه فقط قناعة داخلية متنامية، بل تلازم تلك القناعة ضغوط خارجية مما يجعل التغيير مهمة حتمية عند لحظة فارقة.
الأزمات المتراكمة المستحكمة بخناق الشعب والوطن تستوجب تغييراً جذرياً شاملاً يتم في متونها تحقيق اصلاحات مهنية تستهدف تغيير المناهج السياسية المهترئة عبر إعادة توزيع موارد الدولة مصحوبة بإصلاحات هيكلية تهدف إلى تغيير الأطر السياسية والاقتصادية من خلال اعادة توزيع السلطة على المؤسسات وليس الأشخاص.
كما تشمل عملية التغيير الجذري استبدال آلية صنع القرار عبر إعادة النظر في إدارات الدولة وأسلوب إدارتها.
ربما يرى معظم المنادين بالتغيير والإصلاح أولوية البند الثاني من انجاز التحول المنشود، لكن الأكثر أهمية في عملية التغيير الشامل النأي بها عن النظرات الآنية الضيقة وإلباسها بريقاً مزيفاً. كل مهمة على هذه الجبهة لا تحرص على مصالح الجماهير وطموحاتها تظل جهداً منقوصاً. نحن لسنا أمام لحظة إجراء تغيير داخل النظام أو تعديل منهجه من أجل الحفاظ على جوهر السلطة ومؤسساتها إنما نواجه مهمة بناء نظام جديد.
أي محاولة للقفز فوق هذا الواقع بتشكيل تحالف جزئي لا يستوعب كل القوى القادرة على الفعل ستفضي حتماً إلى تعميق الأزمة بدلاً من تفكيكها.
من شأن إملاء الشروط المسبقة على الفرقاء تعطيل اطلاق عملية الحوار ودفعها إلى أزمة جانبية.
نظام الإنقاذ ليس أرسخ تجذراً من النظام الشيوعي السوفييتي. هناك لم تنجح حركة البريسترويكا على الحفاظ على ركائز النظام الشمولي أمام الرغبة الجماهيرية العارمة في تفكيك النظام وتغييره. ربما يكون عنصر التشابه بين التجربتين وجود أزمة مركبة متفاقمة في التجربتين.
بما ان اللحظة الفارقة تمثل ذروة الأمل فإن الجهد الوطني الأكثر جدوى ينصب على استعادتها بدلاً من التفريط فيها، دع عنك العزف على تبديدها. بارقة الأمل تظل دوماً أفضل من اليأس والقنوط.