ثمة إجماع على ارتكاب إخوان مصر أخطاء فادحة إبان سنتهم الأولى في الحكم. الإخوان أنفسهم لم يبرئوا أنفسهم من الأخطاء. غير أنهم يرفضون الإقرار بتجريدهم من السلطة نتيجة حتمية لأفعالهم. كذلك يكابرون إزاء الاعتراف باستثمار السنة الأولى في الانقضاض على مفاصل الدولة مع أن ذلك أكبر آثامهم.
الأكثر خطورة على الإخوان والشعب المصري ممارسات الإخوان حالياً. هم لا يريدون الاعتراف بأن طلقة سياسية خرجت عبر ماسورة الزمن في 30 يونيو. كمثل طلقات الرصاص لا مجال لإرجاع تلك الرصاصة إلى مشطها مرسي لن يرجع والسيسي لن يتراجع.
على الطرف المقابل. من غير المنطقي اعتبار المعسكر الآخر أن طلقة 30 يونيو قتلت الإخوان أو أصابتهم بالشلل النصفي.
الاحتقان المصري المشرب بالدم يضع التجربة الديمقراطية الطازجة داخل أنبوب اختبار هش على نار حامية. على معسكر الليبراليين الاعتراف هم كذلك بارتكاب خطيئة عندما سلموا طموحات جماهير 25 يناير إلى قادة الأركان. ذلك أول حلقة في سلسلة رهانات خاسرة انتهت بمصر إلى ما هي عليه حالياً.
ضمن تلك الحلقات تقديم الانتخابات على صوغ دستور للبلاد. رهانات الصندوق الخاسرة اشتملت على هيمنة الجماعة وصعود رجل من الصف الثاني إلى رئاسة الدولة ورجل من الصف الثالث عشر إلى رئاسة الحكومة. كلاهما لم يمنحا الشعب المصري بارقة آمل في نظام ديمقراطي قاعدته حرية ورخاء. على نقيض ذلك تعرض المصريون إلى اختناقات حياتية ضاغطة. الأزمة الاقتصادية جعلت صبر الشعب مثل احتمالهم ينفد تجاه إمكانية انتظار سنوات لحسم الأمر عبر صناديق الاقتراع. ها هم الإخوان أنفسهم يتعجلون أخذ الشأن الوطني بأيديهم من أجل استرداد السلطة. لا أحد يمكنه الإقناع بامتصاص الجماعة الضربة القاضية واستبدال الحكمة بالعنف. ذلك ليس في ثقافة الإخوان أو تنشئتهم.
هكذا تدخل مصر منطقة حرجة إذ لا هامش فيها للتراجع من قبل أي من الطرفين. بما أن العنف لا يولد غير العنف فإن مصر تتطلب أكثر من أي وقت مضى حكمة بصيرة وعقلية نافذة لعبور النفق المظلم بأقل قدر من الخسائر المحتملة. حملات الاستنفار وتجييش الجماهير المتبادلة ربما تؤدي إلى تنفيس مؤقت لكنها في الوقت نفسه تنفخ في جراب النار. ذلك أن التحكم فيها مسألة غير مضمونة.
الحديث عن حل سياسي لن يبلغ غاياته في غياب الحوار. التمترس خلف الشروط المسبقة يجعل مثل هذا الحوار ضرباً من المستحيل. استمرار نهج الإخوان الحالي يجعل إمكانية الاحتكام إلى صناديق الاقتراع في المستقبل كذلك مهمة مستحيلة. الإخوان لم يرتدوا العودة إلى مراكز الاختراع وهم ناكسو رؤوسهم.
المضي على هذا المسار يفضي بمصر إلى احتدام العنف لا محالة. ربما تنفجر نوبات عنف غير أن الشعب المصري لن يتوغل في الدم. ذلك ليس في طبعه أو روحه أو ثقافته. الكلفة ستكون باهظة حال الانزلاق إلى نوبات العنف. ما لم يبلغ العقل محله في «رابعة العدوية» يظل احتمال الصدام قائماً.


////////////////