حزب الله لم يجهض في سوريا فقط فرصاً استثمارية ذهبية في المستقبل بل أحرق كل أوراق رصيده القومية. حين يكون الخيار متاحاً بين الشعب والنظام يستأثر الأول بانحياز كل سياسي حصيف متبصر. النظام زائل والشعب باق. أفق الوطن أرحب دائماً من أطر السلطة وأروقتها.
أزمة حزب الله في سوريا تتجذر في عدم امتلاكه فضيلة الخيار إذ هو مسير أسير محور طائفي ضيق الرؤى والمدى. باعتراف نصر الله انغماس الحزب في الدم السوري يحرر الرجل شهادة ممارسة انتحار سياسي علني. ربما يربح حزب الله معركة القصير لكن نصر الله خسر المستقبل السياسي على المدى الطويل. بالتورط في الحرب السورية بين الشعب والنظام يذهب نصر الله ضد المنطق السياسي والتاريخ. هذا حكم يصدر من حيثيات إدعاء حزب الله الالتزام بالحرية والعدالة والنضال ضد أشكال الاستبداد كافة.
الاعشاء الطائفي أفقد حزب الله بصيرته. تبرير حمل السلاح على الجبهة السورية لتأمين امدادات الحزب وحماية ظهره يفضح عقلية ضيقة ملغومة بالانتماء الطائفي. إدانة بنات سوريا وأبنائها المقاتلين من أجل الحرية والكرامة والعدالة بالعمالة لأميركا وإسرائيل تفصح عن عقلية ديماجوجية خالية من الحصافة الموضوعية في حدها الأدنى.
من اليسير اقناع الآخرين بمشروعية القتال إلى جانب الشعب لانقاذه من النظام. في المقابل من المستحيل الاقناع بشرعنة القتال إلى جانب النظام بغية انقاذه من الشعب.
بالتوغل في الأرض السورية يمنح حزب الله نفسه تفويضاً باعتباره قوة اقليمية عابرة. هو لا يخرق هكذا فقط إرادة الشعب اللبناني ودولته بل يقصف كذلك سيادة الشعب السوري على أرضه. أليس في هذا مماهاة مع نهج إسرائيلي يكسب حزب الله بالتصدي له صيتاً عربياً.
نصر الله نفسه انتقد دور حزب الله في حرب 2006 عندما وقف على اطلالها اللبنانية حينما قال لو أنه كان يدرك كلفة عملية اختطاف جنديين اسرائيليين على ذلك النحو الباهظ لما فعل.  بعد زوال النظام السوري يتكبد نصر الله ندماً لا يوازيه أسف.
النظام السوري الخارج من بين الركام والجثامين والدماء لن يكون صنيعة أميركية إسرائيلية. إذ جاز التسليم بدور خارجي في تشكيل النظام الانتقالي المرتقب فإن ذلك النظام بالضرورة انتاج روسي.
لا جدال إزاء تلقي المعارضة السورية المتناحرة دعماً خارجياً غير أن اخفاقها في شأن تحقيق نتائج حاسمة يعود في أحد جوانبه إلى ميوعة الدور الأميركي في الأزمة السورية.
اذا كانت جنيف 2 تمثل نافذة نحو مخرج للشعب السوري فإن أياً من النظام والمعارضة لا يملك الورقة الرابحة على طاولة المفاوضات. في كل الأحوال بداية الحوار الجاد تعني بداية نهاية النظام.