بلوغ شرار الغضب إلى تخوم الخرطوم وانتشار ألسنة اللهب إلى خاصرة الوطن يفتحان الأزمة السودانية على المجهول. حينما يصبح وقود النار أرواح أبرياء آمنين فإن القضية لا تنحصر في مجرد الإدانة. توسيع دائرة الصدام المسلح في الغرب شرقاً لا يستدعي فقط النظر إلى طول يد المعارضة أو ضعف عتاد الدولة. محور الأزمة يكمن في انحسار الحكمة أمام طوفان ثقافة العنف المسلح والقتل العشوائي.
لو انحصر الحريق في كردفان لجاز صب جام الغضب على عجز النظام وجرأة المعارضة المسلحة. لكن مشهداً من العنف الدامي برز على تخوم العاصمة السودانية. هناك ارتكب جند النظام عنفاً عشوائياً ممنهجاً ضد مواطنين أبرياء نهضوا دفاعاً عن إرثهم في الأرض أمام هجمة الملاك الطفيليين المتسربة من العاصمة إلى الريف.
مشهد أم دوم الدامي مثل حريق أم رواية يعكس استشراء ثقافة العنف العشوائي على امتداد خارطة الوطن. من الجائز إلقاء الملامة على مقاتلي الجبهة الثورية مقابل الهجمة الشرسة إذ طالت أبرياء وممتلكات ذات نفع عام. لوم المعارضة المسلحة لا يبرئ تحميل النظام جريرة قصور الرؤى السياسية وضمور الإمكانات العسكرية.
اشعال مناطق في كردفان غداة فشل محادثات أديس أبابا يوضح تكريس المعارضة المسلحة كافة أسلحتها في المواجهة على طاولة المفاوضات وميادين القتال. هجوم المعارضة يفضح دأب النظام على المعالجة بالتجزئة في ظل غياب استراتيجية متكاملة. النظام يؤخذ دائماً بغتة في الحرب والسلم. رغم الانفاق المهول على الأجهزة الأمنية تكشف على ضربة من الخارج أو الداخل غفلة النظام وانشغال أجهزته بغير أمن الشعب والوطن.
مشهد آم دوم الدامي يؤكد إصرار النظام على التوغل في منهج القمع والعنف في ظل غياب الحكمة السياسية. الإصرار الشرس يدفع إلى نتائج كارثية حدثت في أكثر من مكان شمالاً وشرقاً. نهج القمع يصادر مساحات التعبير بغض النظر عن منطلقات المعبرين أو وسائلهم. حتى لو افترضنا خطأ منطلقات ضاحية أم دوم أو غاياتهم. من غير الولوج في تفاصيل قضية أهل الضاحية فالمنطق يفرض عدم اجماعهم على باطل سواء في جزر الأزمة  أو أسلوب التعبير عن غضبهم الجماعي.
كما يفترض تبني النظام استراتيجية لإطفاء النار في الغرب بالتفاوض أو السلام. من حق الشعب على الدولة الإصغاء إلى مطالبه والعمل على احتواء نوبات غضبه.
ثقافة العنف العشوائي الممنهج والإصرار على القمع المنظم يكلفان الشعب كثيراً. غياب الاستراتيجية المتكاملة يجعل الوطن عرضة للتفتيت والتآكل. منهج العقاب الجماعي مثل عمليات تدمير الممتلكات العامة كلاهما يخرجان شرائح اجتماعية من دائرة الحياة الحديثة.
أهل أم دوم مثل سكان أم رواية لا يستأهلون ما تعرضوا له من عقاب جماعي. في الحالتين يتحمل النظام المسؤولية. أقل ما يمكن وصفه به هو ضيق الصدر في الحالة الأولى وضيق الأفق في الثانية. الحالتان تستوجبان استبدال ثقافة الحوار بمنهج العنف.
بدلاً من فتح أقنية المساعدات الإنسانية أمام آلاف من السودانيين المشردين عطلت ثقافة العنف مؤسسات الحياة الحديثة في أم رواية.
عوضاً عن فتح أقنية الحوار مع أهل أم دوم استخدم النظام النار لقمعهم. المعالجة زادت الأزمة استحكاماً. هذه ممارسات تجعل المرء يطرح أسئلة ملحة عن الحكمة والفطنة السياسية.