الرئيس السوداني اختار اطلاق حملته الانتخابية بنفسه مبكراً. البشير يدرك في ضوء تجربة أكثر من عقدين فرص بقائه في قصر الرئاسة. يقين الرئيس ينبع من معرفة عميقة بالتشققات الغائرة في حزبه والانقسامات المتمكنة من جبهة المعارضة. كلاهما – المؤتمر الحاكم والمعارضة – عاجزان عن بلورة توصيف متكامل لأزمة السودان أو صياغة مشروع مستقبلي للخروج منها.
ثمة عقبة وحيدة تعترض فتح الطريق أمام ولاية البشير الرئاسية الثالثة. هي عقبة ليست كأداء لكن إزالتها ربما تستغرق وقتاً ولا تستنزف جهداً. لذلك أطلق البشير حملته الانتخابية قبل نحو سنتين من خوض المعركة.
في الحوار الصحافي مبتدأ الجدل لم يجزم الرئيس صراحة برفضة فكرة البقاء في منصبه. ما قاله البشير لا ينطوي على جديد هكذا طرح السائل «سبق وأعلنتم في السابق انكم لن تترشحوا» الرئيس يتحدث عن «مداولات داخل المؤتمر لكيفية تقديم مرشح» الحديث هنا عن آلية الاختيار وليس عن تسمية المرشح البديل.
ربما قرأ البعض في قوله «كفى نحن أمضينا أكثر من عشرين سنة وهي أكثر من كافية في ظروف السودان» رغبة في التقاعد. هو قول مغلف بقدر غير قليل من مساحيق اللعبة السياسية لكن لا يكشف عن موقف سياسي حاسم. القول ينم عن زهد رجل دولة يدرك الأعباء الثقال طوال أكثر من 20 عاماً لكنه لايكشف رؤية لعلاج تلك الأزمة. العفو الرئاسي عن السجناء السياسيين خطوة إضافية على طريق الولاية الثالثة.
رئيس المؤتمر الوطني يعرف في ظل تلك التجربة استحالة توصل أجهزة الحزب إلى مرشح بديل. مثل هذه الخطوة باتت مهمة عسيرة منذ انقسام ديسمبر 1999. التشققات الغائرة داخل المؤتمر عبرَّت عن عمقها أمام استحقاقات حزبية غير مرة آخرها استحقاق اختيار أمين الحركة الإسلامية. ربما لجأ الفرقاء داخل المؤتمر وقتئذ إلى صيغ هروبية. استحقاق رأس الحزب ورئيس الدولة لا يحتمل تبني مثل تلك التكتيكات. البشير يظل خيار المؤتمر الوطني المرجح لولاية رئاسية ثالثة.
هذه خلاصة أكدها أكثر من قيادي داخل الحزب الحاكم أوضحهم قطب المهدي. البعض تجاوز مجرد عرض المسألة للتداول خوفاً من تفجر الخلافات القديمة أو مراكمة أزمة مستجدة. البعض الآخر حذر من مغبة ترك الأمور بيد الرئيس إذ اعتبر قضية تقاعد الرئيس ليست خياراً شخصياً بل قضية تحسمها المؤسسات.
البشير يفتح معركة انتخابات الرئاسة مبكراً وهو يدرك حقل الألغام تحت سطح الحزب، بعضها تفجَّر من دون تفريغ شحناته. وبعضها يتطاير شرره وبعضها لايزال في طور الكمون. قطاع من قاعدة المؤتمر وشريحة في القيادة يرى في استمرار البشير ضماناً لتسكين حقل الألغام على أمل تفكيك بعضها على الأقل.
العقبةاليتيمة أمام ولاية الرئيس الثالثة تتجسد في نص دستوري يقيد بقاء أي رئيس في منصبه بولاية ثانية فقط. رئيس الكتلة البرلمانية للمؤتمر الوطني اضطر لإصدار «بيان تصحيحي» ينفي ربط ترشيح البشير بأهلية الرئيس ويؤكد على بروز عقبة النص الدستوري فقط.
بيان الدكتور غازي صلاح الدين «التصحيحي» هو جزء من انعكاسات التشققات داخل قيادة المؤتمر الوطني إذ يجد هو نفسه مهمشاً أو مستهدفاً. اذاً النص الدستوري وحده يشكل العقبة اليتيمة أمام ولاية البشير الثالثة. تعديل المادة الدستورية 57 قد يستغرق وقتاً لكنه ليس عصياً. اذا كان قادة المؤتمر الوطني أطاحوا الدستور نفسه عندما استولوا على السلطة فماذا يقلقهم تجاه تعديل مادة واحدة في دستور انتقالي؟
كلام غازي صلاح الدين يصدر تحت غبار جدل متصاعد في شأن مبادرة عن حوار قومي يشمل قوى المعارضة. الحديث عن المعارضة جاء غداة «لقاء ميونخ». أحزاب المعارضة بدأت تتوغل في رمال المبادرة بينما بدأ المؤتمر حملة تعديل الدستور. بغية احتواء خلافاته والمعارضة معاً.