رغم تباين مكونات القيادتين في شطري السودان هناك تماثل في الفكر والرؤى يكاد يبلغ حد التطابق. نقيضاً لرهانات نيفاشا والمرحلة الانتقالية ثم الانفصال تتوغل القيادتان بشعبيهما مع إشراق كل شمس في مستنقع الظلمات. الإصرار على المضي في المسار المعاكس للمنطق والرهان والتاريخ يعري عجز القيادتين الفاضح.
هو العجز إزاء استيعاب مقاصد اتفاق نيفاشا الجوهرية. عوضاً عن تكريس الجهود لترسيخ الوحدة الوطنية استغرق الطرفان في تبديد نسيج الوحدة والوقت والجهد. بدلاً من استثمار المرحلة الانتقالية بغية القفز فوق أخاديد التجزئة وفوارق السلطة والثروة مارس الجانبان نكء الجراح القديمة والجديدة على نحو أدمى كيان الدولة.
نتيجة الفهم الخاطئ للتحول الديمقراطي آلية لتعزيز نسيج التنوع بعصب المشاركة الندّية انغمس الطرفان في ممارسات الاقصاء والتهميش.
لما ضاقت الرؤى ضاق الوطن والدولة فوقع الانفصال وضاقت الهوية حتى جرى تقسيم الشعب. هي الرؤى الضيقة ذاتها والعجز الفاضح نفسه يستبدان في الخرطوم وجوبا على نحو يدفع الشعبين إلى التدهور على نحو مريع. أي من النظامين لم يتسم بالأمانة الوطنية والجسارة السياسية والطهارة أو الشفافية. كلا الشعبين لم ينعم بالسلام أو الحرية والوفرة والرفاهية.
القيادتان لم يبديا قدراً من الحنكة السياسية أو يتعلما من التجربة الطازجة كأنما هما قد أدمنا العيش في الأزمات. من موقع محاولة الأذى بالطرف الآخر يقارب كل منهما القضايا الخلافية. مع القناعة المشتركة بجدوى ضخ النفط في الأنبوب العابر تمارس القيادة في الخرطوم الرفض بغية إجبار القيادة في جوبا على الاستجابة لكل شروط الشمال أو مواجهة القيامة. هذه معادلة أشبه بممارسة عض الأصابع فوق تأسيسها على رؤية خاطئة.
في الجنوب لا توجد منظومة اقتصادية حديثة كما في الشمال. إغلاق أنبوب النفط جفف مصدر دخل الجنوب الأساسي غير أن تداعيات وقف التصدير أحدث تأثيرات سلبية على شعب الشمال أكثر ضرراً. مقابل تضييق خناق الحصار بالعقوبات الدولية على الخرطوم واستفحال التضخم تتلقى جوباً دعماً مالياً خارجياً يسير حياة الشريحة الجنوبية الضيقة المتحركة في دائرة الحياة الحديثة. غالبية الجنوبيين لاتزال تعيش خارج معادلة العرض والطلب الاقتصادية. الضغوط الشمالية الممارسة على جوبا لا تطال أثارها القبائل الجنوبية المبعثرة في الغاب.
الانتشار العسكري المكثف على الحدود ناجم عن عقلية عاجزة عن فهم استحالة إغلاق الأفق أمام تيارات تفاعل تلقائي قائم على المصالح المتبادلة وغير خال من المغامرة الفردية يزكيها التحريم غالباً. الحركة عبر الحدود الثنائية وعلى امتدادها أشبه بانسياب النيل الأبيض بطيئة عريضة من غير الممكن بناء سد أمامها.
من الممكن استثمار تدفق النفط وانسياب المصالح المتبادلة في تفكيك ألغام القضايا الأخرى العالقة بين الطرفين. مقاربة كل تلك الملفات بعقلية أمنية بحتة تزيدها تعقيداً. من شأن طرح مبادرات سياسية بناء جسور آمنة للخروج من مستقنع الأزمات. تلك مهمة لا طاقة للنظامين في جوبا والخرطوم على اجتراحها. النظامان باتا يترقبان الحلول السياسية المعلبة المستوردة من الخارج. التصلب في المواقف الخاطئة فتح مسارب التغلغل في الجنوب أمام شعوب أفريقية أخرى ليس بينها وبين الجنوبيين حميمية أو ثقافة مشتركة كما مع الشماليين. هؤلاء يجدون أفقاً مفتوحاً للاستثمار في أرض بكر واقتصاد واعد قعيد. هو أفق أحق به شماليون يرزحون تحت أعباء التضخم. استمرار الوضع على هذا المنوال يغري النظام في جوبا بالتصلب إذ أنه لا يواجه ضغوطاً شعبية لكن الجنوبيين لن يديروا ظهورهم للشمال في غضون فترة وجيزة استناداً إلى تاريخ وثقافة مشتركين.
بما أن الأنظمة الأمنية القابضة تعتاش على الأزمات فهي تفقد حاستها السياسية فلا تحتمل أصحاب القدرة على استيلاد المبادرات. نصيب هؤلاء التقزيم والتكريه أو الاقصاء. في مثل هذه الحالات تستيقظ الأنظمة من هذا الطراز على أزمات تنهشها من الداخل فتواجه حتمية الانهيار.