عوضاً عن العزف العربي الملول الممارس في شأن تصحيح مسار الثورة الأفضل الاعتراف بسقوط الثورة. التشخيص الثاني يقتضي بالضرورة التحريض على إشعال ثورة ثانية. هناك بون شاسع بين الحالتين. حالة البقاء أسرى التمني بإمكانية حدوث انفراج متوهم يشي بمغادرة الواقع المأزوم ضحى الثورة وحالة القنوط تجاه الإخفاق الفاضح الراهن ومن ثم النهوض بمهمة تغييره أي الثورة عليه.
الربيع العربي لم يثمر واقعاً ثورياً يوازي تطلعات الجماهير نحو غد أفضل مأمول. القوى السياسية العربية الصاعدة غداة الثورة عجزت عجزاً فاضحاً عن حفر فعل ثوري. الصعود إلى أسنمة السلطة لا يسبغ على أصحابه صفة ثورية. الفوز بأغلبية شعبية لا يكسي فاعليه ثوباً ديمقراطياً. قصر المضامين الديمقراطية على صناديق الانتخابات يعري عوزاً فكرياً مدقعاً. الاستئثار بالقرارات المصيرية باسم الأغلبية يكرس الجدب الفكري نفسه.
الأغلبية القابضة على مفاصل الدولة في مصر، ليبيا وتونس تتشارك الانتماء للإسلام السياسي وتتقاسم الإخفاق إزاء إحداث واقع ثوري. على نقيض ذلك انتجت السلطات الثلاث حاضراً أشد استبداداً وفساداً وعنفاً أعمق شراسة واستشراء وأكثر ضحايا وأوسع إحباطاً.
نعم الانجاز الثوري كما التحول الديمقراطي لا يتحقق في غضون حيز زماني وجيز وبلا أعباء باهظة. بما أن العمليتين بمثابة صراع سياسي فإن هذا الصراع ينطوي على اشتباكات وتقاطعات اجتماعية حادة. قوى الحكم الجديد في البلدان الثلاثة لم تحسن إدارة هذا الصراع. على نقيض ذلك عمدت إلى إذكائه بزج وقود الدين وزيت الولاء الإيديولوجي والقبلي والجهوي.
الربيع العربي لم يكن يستهدف إحداث واقع ثوري إلا بقدر ما يتحقق من حاضر ديمقراطي مشبع بالحرية والكرامة والطهارة. من غير الممكن القول بإشاعة أي من الشعارات الثلاثة في الدول الثلاث. القمع يطارد أجهزة الإعلام كما الإقصاء يطال الخصوم السياسيين. الاستهانة بالفرد تدهورت حد العري والسحل. العنف بلغ درجة التصفية الجسدية المستهدفة والعشوائية. الطهارة طريدة المحسوبية والتكالب على اكتناز المكاسب والمزايا.
المشهد السياسي العام يعج في الاقطار الثلاثة بكل تضاريس وممارسات العهود البائدة. فقط يتبدل رأس الاستبداد من الفرد إلى الجماعة. صعود الإسلاميين إلى السلطة لم يكن مباغتاً. في مقابل تشظي وضعف القوى المنافسة ظل الإسلاميون أكثر تنظيماً وأطول باعاً. تلك حقيقة لا تمنح الإسلامية شرعية تجسيد طموح الثورة. الحقيقة الأكثر نصوعاً تتمثل في فشلهم الذريع في إحداث تحول ثوري أو حتى ديمقراطي تعددي مفتوح. ربما تعززت فرص ترجيح الرهان على النهضة في شأن إمكانية تحقيق طموحات الثورة التونسية. ذلك رهان أفرزته بيئة علمانية بناها وأشاعها الحبيب بورقيبة.
النهضة سقطت في مستنقع الاستبداد والفساد والإقصاء والعنف. صعود روح شكري بلعيد إثر اغتياله أمام منزله المستأجر يشكل شهادة تدين النهضة وتطاردها. بلعيد دافع عن النهضويين حينما تخلى عنهم الجميع تحت طغيان بن علي وزبانيته. النظام الحاكم في تونس يتحمل وزر جريمة اغتيال بلعيد كاملة.
ليبيا أنموذج صارخ لفقدان المجتمع السلم الاجتماعي لكنها ليست استثناء. ذلك واقع صارخ في مصر وتونس كذلك. الثورة لم تحقق غاياتها غير أن روحها لم تخب. الشعوب لن ترضى عودة التاريخ إلى الوراء. التاريخ لا يعيد انتاج نفسه. الثورة سقطت. التوغل في المستنقع الراهن يحرض على ثورة ثانية. محاولات تشكيل حكومة توكنوقراط في تونس أو مختلطة في مصر لا تنم فقط عن ممارسات التشبث بالسلطة من قبل الإسلاميين. أكثر من ذلك هدفها إجهاض بؤر الاحتقان الثوري المتصاعد ضدهم. اختطاف الثورة مثل اجهاضها واقع - تأجيل الثورة يمكن، لكن حدوث الانفجار حتمي.