ثمة حراك سوداني يمور يشي بتغيير في المشهد السياسي المثقل بالتضخم والترهل والاستبداد والفساد. بعد بيات شتائي ملبد بالتشظي والخمول يشكل طيف المعارضة قوس قزح جاذباً لفترة انتقالية مرتجاة. جاذبية برنامج المعارضة لا تكمن فقط في رسم خارطة طريق لإعادة بناء وطن ديمقراطي. الجاذبية الأكثر في البرنامج المعنون «الفجر الجديد» تتجسد في تلاقي كافة فصائل المعارضة المقاتلة منها والمصادمة والمروضة والمدجنة على طريق واحد.
قناعة التزام الفصائل المقاتلة بإلقاء السلاح عند انبثاق الفجر الجديد يبشر بإمكانية شروق شمس وطن جديد صباحه ملؤه السلام وضحاهه عامر بالوحدة ونهاره حافل بالعزم على تجاوز الأزمات. وطن ينعم إنسانه بالحرية والعدل والمساواة القائمة على المواطنة ويحرم فيه استثمار الدين في السياسة.
إصرار الحركة الشعبية بقيادة الراحل جون قرنق على مواصلة القتال إبان المرحلة الانتقالية السابقة ساهم في إجهاض أحلام السودان الجديد.
غياب خطة عمل المرحلة جعل الانتفاضةأنذاك مغامرة في فضاء وعر. استيعاب الدرسين من قبل قوى «الفجر الجديد» يستأهل في حد ذاته التقدير ويبعث التحريض من أجل الاستقطاب والمساندة بدلاً عن الاستخفاف والمكايدة.
التبشير بــ«الفجر الجديد» يستوجب بروز قيادة ديناميكية تتمتع بالمؤهلات والطاقات المحفزة لاستقطاب الجماهير العاطلة والمعطلة بفعل الخيبات المتلاحقة.
غياب مثل هذه القيادة يجعل الوثيقة الجاذبة مجرد «فجر كذوب». الاستنفار الجماهيري المأمول لن يتم في ظلال تشظي الأحزاب السياسية. عجز الكيانات التقليدية إزاء جمع شملها يجعل الإحباط أقرب من الأمل والقعود أدنى من الطموح.
الحراك المبشر بتغير المشهد السياسي ليس وقفاً على فجر المعارضة بل يوجد داخل معسكر الدولة ما يؤشر إلى مخاض مرتقب. بغض النظر عن الدوافع والاتجاهات ثمة تيار شبابي داخل الحركة يعبر عن نفسه كما عن امنياته في تغيير سلوك النظام وشخوصه.. تلك حقيقة تثبت وجود أزمات مزمنة داخل النظام. المحاولة الانقلابية الأخيرة أحد مظاهر أزمة الدولة. أنصار النظام أنفسهم لم يعودوا يتحملون فساده واستبداده. تضخم أجهزة القمع لا يحرض على الاستهانة بمجرى تيار الإصلاح. ذلك لا يعني الرهان عليه في إحداث التغيير المنشود لكنه يعري وهن النظام. الصمت الطويل تجاه العسكريين الموقوفين بتهمة المحاولة الانقلابية يفضح مأزق القابضين على السلطة والثروة.
عوضاً عن نقد غياب منظمات المجتمع المدني عن لقاء كمبالا حيث جرت بلورة «الفجر الجديد» ينبغي التأمل في قامات الحاضرين. الوثيقة تؤمن متسعاً فسيحاً لمنظمات المجتمع المدني في المؤتمر الدستوري المأمول.
الحضور «الثقيل» لقيادات من حزب الأمة يستدعي القراءة على نحو مواز للمشاركة الخفيفة من قبل المؤتمر الشعبي. إذا كان المهدي مدموغاً من قبل خصومه بالمراوحة بين النظام والمعارضة فإن مشاركة الشعبي على ذلك النحو يعلق علامات استفهام غليظة في وجه الترابي. المؤتمر الشعبي عودناً على دفع رموزه إلى مناسبات أدنى أهمية!!
الحديث المباح عن إرهاصات بتغيرات في كوكبة القابضين على مفاتيح صنع القرار على قمة النظام يشي هو الآخر بحدوث تغيير في كوكبة القيادة العتيقة ربما يكون دراماتيكياً.