مثل سابقيه من الوسطاء تحول الأخضر الإبراهيمي إلى ترس في طاحونة الأزمة السورية. من دون التشكيك في نزاهته أو مصداقيته فالظاهر للعيان تحول الموفد الدولي إلى عبء على كاهل المعارضة السورية. ذلك دور لم يتقصده الإبراهيمي بل هو يمارسه بحكم التنشئة والمهام المزينة سيرته.
قبيل بدء مهمته في سوريا وصفها الرجل بالمهمة المستحيلة. ذلك التوصيف لا يعكس وعياً بصعوبة الإنجاز إنما يثير الانتباه إلى إشادة واجبة في ضوء نجاح مرتقب. لو بلغت قناعة الإبراهيمي باستحالة المهمة فإن قبوله يفتح الأفق أمام إدانة مغلظة إذ إن استفحال الأزمة لا يترك مجالاً للتجريب. إزهاق الأرواح وتدمير الممتلكات لا يسمح البتة بإهدار الزمن.
قبيل استهلال المهمة اشترط الإبراهيمي على مجلس الأمن دعماً جماعياً. الإبراهيمي أبحر في مهمته وسط استقطاب دولي حاد. مع كل إقلاع أو هبوط في تجواله يزداد الاستقطاب عمقاً.
قبول الإبراهيمي التكليف يثير من هذين المدخلين عدداً من علامات الاستفهام حوله. قراءة جهد الإبراهيمي في سوريا من منطلق تجربته اللبنانية رؤية قاصرة بل مشوهة للأزمة السورية.
سيرة الدبلوماسي الجزائري المخضرم فرضته عبئاً على ظهر المعارضة السورية. الإبراهيمي ربيب النظام العربي وسليله. الرجل أفنى عمراً في خدمة الأنظمة وعلاقاتها. بين الإبراهيمي والربيع العربي فجوة شاسعة. ربما تستوعب الرجل دوافع رياح التغيير الشعبية وتداعياتها لكن ليس باليسير انحياز الإبراهيمي إلى الربيع العربي. هذا الحكم لا يدين عقلية الرجل بل يستند إلى حيثيات تجربته السياسية. من هنا تستوعب رهانه على هدنة لم تكن قابلة للصمود. بالفهم نفسه ننظر إلى وعده ببناء أفكار لمشروع جديد لن يكون في كل الأحوال أفضل من فرضية الهدنة.
الإبراهيمي يواصل مهمته من حيث بدأها التعامل مع النظام. حتى نظرته إلى المعارضة لا تتجاوز فيلقاً نظامياً مقاتلاً يمكن إرساله إلى استراحة مؤقتة. هي الرؤية نفسها حين يبني مشروعه الجديد على وصول المعسكرين إلى حد الإنهاك فإلى قناعة مشتركة بالجلوس إلى طاولة التفاوض!!
الدبلوماسي المخضرم يرى في ضوء تجربته نظاماً يتعامل مع «متمردين». هو لا ينشغل كثيراً بالبيوت إذ صارت ركاماً والمهجرون زرافات ووحداناً إلى الملاذات على حدود لبنان والأردن وتركيا. الإبراهيمي لا يحدق طويلاً في أحياء في مدن عدة حولها قصف النظام إلى مدن أشباح. عائلات غادرت منازل لن تعود إليها. أطفال افتقدوا أحضاناً لن يحصلوا عليها مجدداً. كأنما لا يبصر الإبراهيمي ركاماً أغلق دروب التواصل الممكنة بين النظام والمعارضة. كأنه لا شهداء يلهمون الشعب روح الفداء ويحرضونه على رفض التفاوض والتصالح. الإبراهيمي يرى حتماً شراسة النظام لكنه لا يبصر قدرة الشعب على الصمود لذلك يتوهم إنهاك الطرفين على نحو يضطرهما إلى البحث عن تسوية سلمية ثنائية.
الإبراهيمي لا يرى نظاماً يتآكل من الداخل كما أنه لا يرى نظاماً يتحول إلى عبء على العواصم صانعة القرار الدولي. الدبلوماسي المخضرم يبحث عن حل تفرضه العواصم الكبرى على المعارضة لكنه لا يرى احتمال تبني تلك العواصم حلاً تفرضه على النظام. الإبراهيمي أصبح عبئاً أخلاقياً على المعارضة لكنها لا ترى بديلاً عنه للتعامل معه من أجل إبقاء قضيتها ساخنة دولياً. النظام السوري تجاوز مرحلة كونه عبئاً سياسياً على الأنظمة صانعة القرار إذ يتحول بدوره عبئاً أخلاقياً على الجميع. كلما توحدت المعارضة السورية كلما أيقظت ضمائر الأصدقاء والأعداء. ذلك عبء تتحمله فصائل المعارضة المتناثرة.