الحديث عن الارتباك في قضية النائب العام المصري لا يتطلب إبانة غير انه لا يؤطر التوصيف الشامل للحالة.
اقالة عبدالمجيد محمود ثم التراجع عنها ينطوي على ملمح من أزمة صنع القرارفي قمة المؤسسة المصرية. الأزمة ناجمة عن غلبة عقلية الهواة في مواقع رجال الدولة المحترفين. هناك بون شاسع بين احتراف لعبة السياسة واحتراف سياسة صنع القرار.
مفارقة محزنة خروج النائب العام في ثوب المنتصر دفاعاً عن حرية المواطن المصري. عبدالمجيد محمود لم يتشبث فقط بمنصبه بل أظهر شجاعة في الدفاع عن استقلالية القضاء. كل موقف يؤكد تأمين الأجهزة القضائية ضد تغول السلطة التنفيذية يؤمن حرية المواطن.
عبدالمجيد محمود لم يربك مؤسسات الدولة وحدها بل طال إرباكه الرأي العام. الرجل تسربل جرأة تستوجب التقدير عندما استعصى على قرار رئاسي. ذلك موقف لا يجنح إليه كل الرجال. النائب العام لم يهز فقط هيبة مؤسسة الرئاسة بل ذهب إلى تعرية حالة الفصام في الدولة.
إقالة عبدالمجيد محمود مطلب شعبي غداة انبلاج الثورة. في سيرة الرجل كثير مما أثار غضب الجماهير الثائرة. إزاحة الرجل عن منصبه لم يكن أنذاك مهمة عصية بل خطوة في متناول الجميع. للشرعية الثورية أكثر من قناة وأكثر من ذراع. الغفلة السياسية أطالت بقاء الرجل في مكتبه. الغفلة نفسها نقلته من قفص الاتهام إلى منبر النزاهة. كأنما لم يكن مطارداً باتهامات ثقال برز النائب العام يتحدى مؤسسة الرئاسة منافحاً عن استقلال القضاء والمواطن.
عقلية الهواة وحدها منحت الرجل بطاقة الحصانة في المرحلة الأولى وشرف البطولة في الدور الثاني. تلك هي العقلية غير المدربة على نحو احترافي قادر على الفرز بين المرشد والرئيس أو الحزب والدولة أو الجماعة والشعب. مثل هذه العقلية تراوح في خطواتها بين الارتجال والانفعال ومن ثم تجنح إلى التخليط بدلاً عن البناء المؤسسي فتنداح تداعياتها السلبية على الجميع. أنها عقلية مبنية على الاحتكار الرافضة للحوار وعلى الاستفراد النافية للمشورة. تلك هي عقلية الاقصاء المفضية إلى الحال الكارثية في غزة حيث تعامت الرؤى عن استبعاد الفارق بين الدولة والثورة عن المقاومة والمواطنة.
تلك هي عقلية الإقصاء نفسه المنتهية إلى التشطير في السودان حيث التبست الرؤى فلم تعد تبصر الحدود بين الحزب والوطن بين العضوية والرعية.
كل المبررات المصوغة في أزمة النائب العام تفضح عجز صانعي القرار تجاه أداء سياسي على مستوى الدراية السياسية والدربة القيادية. انتصار رجل في وجه مؤسسات الدولة لا يعزز الثقة في طاقم القيادة. كسب القضاة معركتين على حساب الرئاسة لا يهز فقط هيبة الدولة بل يشكك المواطن في المستقبل. من أكثر ما يميز مصر دولتها المركزية القوية الضاربة جذورها في عمق التاريخ. الصراع بين مؤسسات الدولة ورجالها يفضح خللاً بنيوياً في تركيبتها.
تحميل رجال الرئيس أزمة النائب العام محاولة قصيرة النفس لاحتواء الأزمة العارضة إذ أنها عاجزة عن تضميد جراح مؤسسة الرئاسة. حين يخفق رجال الرئيس في تحديد مسار البوصلة القويم فإنهم يتحولون إلى عبء ينهك الدولة برمتها. من يختار رجال الرئيس؟ تلك هي القضية!