جدوى الاتفاق السوداني – السوداني الأخير تكمن في تراجع الطرفين عن خطوط المواجهة العسكرية. قيمة الاتفاق الجوهرية تتمثل في تفادي الجانبين شبح عقوبات دولية. القيمة المضافة للاتفاق تحققها الدولتان عند نجاحهما في تجسير هوة الشقاق بشبكة من الثقة المتبادلة.
المؤتمر الوطني الحاكم في الشمال والحركة الشعبية في الجنوب ظلا في حالة تفاوض متقطع على مدى السنوات السبع الأخيرة. بدءاً من نيفاشا يفتح كل اتفاق أكثر من ملف يتطلب إعادة التفاوض. القضايا العالقة مصطلح سوداني ثنائي يؤطر الملفات المفتوحة على طاولة التفاوض.
اتفاق اديس أبابا ليس استثناء إذ في أحشائه قضايا لا تزال عالقة. عوضاً عن طي بعض الملفات المفتوحة منذ نيفاشا - كأنما أدمن الجانبان مراكمة القضايا العالقة – تنفتح ملفات إضافية. ربما لأن كل اتفاق منجز يتم التوقيع عليه تحت ضغوط داخلية أو خارجية أو الاثنين معاً. حالات القناعة الثنائية بالبنود الموقع عليها تبدو نادرة. ضعف الإرادة السياسية يفضي إلى التوقيع تحت الضغوط. غلبة غياب الثقة المتبادلة على ضعف الإرادة يفرز اضطرابات عدم القناعة المشتركة. العنصر الأخير أكثر غلبة في لجوء الطرفين إلى الرعاة الأجانب.
على كل طاولات التفاوض يبدو عدد من الملفات عصياً على المعالجة والحلول. ثمة قضايا لم تعد فقط عالقة بل صارت مزمنة مع أنها الأبلغ حيوية والأعظم جدوى والأكثر إلحاحاً. ففي الاشتباك حول أبيي والحدود مثلاً يفتح الأفق أمام الثقة المفقودة ويذوِّب القضايا المراكمة.  بعض الحلول المنجزة تحت ضغوط الرعاة والزمن تأتي آنية قصيرة البصر فتفقد القدرة على الثبات أمام حركة التاريخ. ملف الاتفاق النفطي في نيفاشا – هو الأكثر إلحاحاً للشمال والجنوب – لم يشمل أنظمة القياس وتجاهل مسألة التسعير.
اتفاق المنطقة العازلة يذهب باتجاه تهدئة النظامين بينما يتجاهل الحقوق الأساسية لرعاياهما. الاتفاق يزيح شبح المواجهة العسكرية في منطقة حيوية للشمال والجنوب غير أنه يضيق هامش المناورة الحياتية أمام القبائل المتحركة في المنطقة.
ما لم يسترد النظامان في جوبا والخرطوم إرادة بناء الثقة الغائبة والسعي الدؤوب لنشر هذه المشاعر الإنسانية والسياسية لن يشرع أي اتفاق مظلة السلام المنشود.
مطلوب جهد مشترك ملح للعمل معاً من أجل تحديد مفاهيم ثنائية لسلسلة من المصطلحات المتداولة والقضايا المفتوحة.
الحديث المرسل عن ابيي في الاتفاقات والفضاء الإعلامي لا يؤطر المساحة الجغرافية للمنطقة وسكانها. متابعة الإرسال يضع قبائل ورساميلها في وجه العاصفة لا محالة.
ما لم ينشر النظامان ثقافة الثقة المتبادلة في ابيي تظل المنطقة مسرحاً للاقتتال المنظم والعشوائي. الثقة المشتركة وحدها تمهد الطرق أمام العيش المشترك لقبائل لا تملك وجهة مغايرة. هذه ليست خطوط تماس بين الجنوب والشمال بل بؤرة تمازج وتصاهر. أي اتفاق لا يعزز العيش المشترك بين الشماليين والجنوبيين في هذه المنطقة لن يكتب له الصمود.
ثمة ظاهرة لافتة على طاولات التفاوض. الجنوب دوماً في حالة هجوم والشمال دائماً في موقع الدفاع. هذه قضية جديرة بالتأمل والتفكر. من المهم وضع إجابات شافية عما اذا كانت جوبا تشط دوماً في مطالبها التفاوضية أم أن الجنوبيين مسكونون – لايزال – بشعور الغبن والدونية؟! في المقابل هناك أسئلة تلاحق المفاوضين الشماليين من الزاوية ذاتها. إذا كان الأمر مبالغة تفاوضية فلماذا يرهن الشماليون أنفسهم إلى الحد الأدنى أم هم متخمون بإحساس الظلم والتعالي؟. هذه معادلة شاذة مثلما هي صارخة تستوجب التصحيح.