بين المطرقة والسندان أدرك عمر البشير وسلفاكير لابد مما ليس منه بد. توقيع تسوية تفتح كوة بغية تفريج المأزق الثنائي المأزوم في الشمال والجنوب.
قمة أديس أبابا تشكل لقاء الفرصة الأخيرة أمام الرئيسين ليس فقط لمغادرة النفق الضيق الطويل. بل كذلك من أجل تفادي الاصطدام بحائط أصم مميت.
نظام الخرطوم كما حكومة جوبا ينازع بين سندان الغضب الشعبي العارم ومطرقة العقوبات الدولية. عوضاً عن الأحلام الزاهية بواقع مزدهر عقب الانفصال يعايش الشعبان في الشمال والجنوب أزمات خانقة تبدلت في ظلها الأحلام إلى كوابيس. الشماليون كما الجنوبيون يترقبون أي اتفاق ثنائي من منطلق قناعة مشتركة بأن لا شيء أكثر سوءاً مما يحدث حالياً.
الرئيسان يدركان مغبة انتهاء القمة بتدابرهما. على الرغم من أشكال القمع الممارسة في الشمال والجنوب فإن صبر الشعبين لم يعد يحتمل المزيد من المراوغة والتمني. صدر الشعبين ضاق على نحو يهدد بانفجار غضب عارم. سنابل الأمل ذبلت تحت لهيب شظف العيش. التضخم دفع الأرواح إلى الحناجر. الدولة انتكست إلى عصر المبادلة إذ أمسى بعض المؤسسات الحكومية تدفع مستحقات المواطنين عيناً بعدما نفدت سيولتها المالية.
الدولة عجزت عن توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية لرعاياها. الوطن ضاق بعد الانفصال على نحو لم يعد البقاء على أرضه محتملاً. في غضون شهور ثلاثة غادر الخرطوم 64 ألفاً من الكوادر المؤهلة إلى المنفى. كل الصفقات المبرمة مع الواجهات الجهوية المصطنعة لم تجفف بؤر الاقتتال المسلح وأقنية الاستنزاف.
صبر الوسطاء الاقليميين والدوليين نفد. المساهمات المطروحة لتجسير الهوة بين الشمال والجنوب استخلصت الطاقات الممكنة لدى الافارقةالحادبين على السلام السوداني. ممولو المفاوضات أعلنوا جهراً غل أيديهم عن الصرف على لقاءات الوفود. نظام الخرطوم وحكومة جوبا يشاهدان مطرقة دولية غليظة فوق رأسيهما. حال الإخفاق في لقاء أديس أبابا لن يتردد الحكماء الافارقةعن رفع مقترحاتهم إلى مجلس الأمن. هذا لقاء الفرصة الثالثة – هي الفرصة الأخيرة. بعدما تؤول المقترحات الاقليمية إلى مجلس الأمن يبدو الطريق ممهداً لاتخاذ قرار دولي يمنح المقترحات قوة الإلزام حتى لو اقتضى الأمر تبنيها تحت الفصل السابع.
بين سندان الداخل ومطرقة الخارج لم يجد رأساً النظامين في الخرطوم جوبا سبيلاً للمراوغة. ثمة قناعة صارخة بأن إهدار الفرصة الأخيرة يفضي إلى ما هو أكثر كلفة من التنازلات الممكنة على طاولة التفاوض.
اتفاق نيفاشا مثل الانفصال لم يكن أي منهما خيار شعبي. الأول جاء في سياق ضغوط دولية عالية. الثاني ثمرة اندفاع وراء أحلام ساذجة. كلاهما انتهى إلى تجزئة الوطن والشعب الإطاران الأنبل معناً والأبقى من النظامين. في أديس أبابا لن يكون الوطن والشعب حاضرين. الأكثر أهمية هو النظام. من هنا لا يستقيم النظر إلى التسوية الثنائية بمعايير الشعب والوطن.
بما أن المستهدف بقاء النظام فستعمد التسوية إلى ما يعينه على البقاء وترحيل القضايا الجوهرية إلى فضاء الزمن.
yasir gasim [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]