الجدل المثار حول رحيل عمر سليمان على ذلك النحو المباغت يتسم بالخطرفة السياسية أكثر من الرؤى الموضوعية. عمر سليمان لم يكن سياسياً بل رجل مخابرات محترف. على الرغم من ظهوره الموسمي الخافت في المشهد السياسي. فإن تلك الحركة استخباراتية العظم واللحم وان اكتست ثوباً سياسياً.
حتى الجدل المثار عن وفاته أو تصفيته يؤكد في مجمله نهاية رجل مخابرات ضليع ولا علاقة له بشخصية رجل الدولة أو السياسة.
عمر سليمان لم يكن رجل مخابرات عابر إذ ظل على رأس الجهاز المصري نحواً من ثمانية عشر عاماً. في غضون هذا الحيز الزماني لم يطور الرجل فقط دربته الحرفية بل صقل حاسة مهنية ذات مغناطيسية عالية.
ذلك الحس النافذ تجلى في انقاذ حسني مبارك من فخ الموت المنصوب إليه في العاصمة الإثيوبية. على نحو غير مسبوق اصطحب الرئيس المصري المخلوع سيارته المصفحة على الطائرة. لولا وجوده داخل العربة لما نجا مبارك من الهجوم المسلح في الطريق من المطار إلى الفندق.
طوال 18 سنة ظل عمر سليمان حارس بوابة النظام المصري. في غضون هذه الفترة تخلت القاهرة عن دورها الدؤوب في قيادة المنطقة غير أنها احتفظت بموقعها الجيوستراتيجي. معظم أوراق المنطقة إن لم تكن جميعها ظلت تمر عبر القاهرة. كل الملفات العربية غلب عليها الطابع الاستخباراتي.
عمر سليمان تأبط غالبية هذه الملفات إن لم يكن كافتها. هكذا لم يكن الرجل فقط حارس بوابة أمن النظام المصري بل هو في الوقت نفسه حارس ذاكرة المنطقة في أكثر فترات تاريخها ازدحاماً بأحداث لا تزال عالقة في كنف الغموض لبعض فصولها أو بعض رجالها أو هما معاً.
الحيز الزماني يشمل أحداث العراق المأساوية، العدوان الإسرائيلي على لبنان، الانقسام الفلسطيني ومراوحة المصالحة. تدمير غزة وحصارها. انفصال الجنوب السوداني.
على امتداد هذه السنين وعبر هذه الأحداث اقترب عمر سليمان أكثر من السياسيين في مصر وخارجها من رجال يمسكون بمفاتيح اللعبة السياسية وصنع القرار في المنطقة. أكثر من رجل تعاقب على جهاز الاستخبارات في واشنطن وتل أبيب.
صحيح أن جهاز المخابرات المصرية مؤسسة راسخة لها أضابيرها وتقاليدها غير أن بقاء الرجل الراحل فترة طويلة على قمته يتيح له التقاط خيوط انسانية الطابع مع رجال دولة وفق الحميمية المنسوجة بمنوال الزمن. تلك فرصة لم تتح لرجل آخر. هكذا يبدو عمر سليمان حارس ذاكرة المنطقة المعاصرة الأكثر خصوبة.
غلبة مهنته طغت على شخصيته إذ ظل يفضل الاختباء وراء منصبه وهو يمارس مهمة السياسي المكلف. في طلاته الإعلامية الخاطفة يحرص على ندرة الكلمات وصرامة القسمات وبرونزية المشاعر.. هو رجل متصالح مع الرئيس والنظام ومنصبه ومهامه. عمر سليمان أدى هذه الأدوار بمهارة رجل استخبارات يتدثر الغموض العام والرضا الذاتي.
غموضه وضعه على محك الرهان المصري في بداية الثورة. لو أن مبارك تمتع بشيء من حس عمر سليمان لآثر التنحي في لحظة تاريخية فاصلة ولم يضطر إليه في لحظة تاريخية قاتلة ذهب ضحيتها الرجلان. لو كان في شخصية عمر سليمان شيء من العسكري المغامر أو السياسي الطموح لحاول كتابة نهاية مغايرة للرئيس والنظام.
عمر سليمان صندوق أسود لرحلة رجل استخبارات قضى نحواً من 18 سنة يحلق في أجواء المنطقة. رحل سليمان ولايزال الجهاز المصري قابضاً على مفاتيح صنع القرار في القاهرة بانتظار رجل مهام جديد.