التفسير الديني للأحداث السياسية يشكل أحد أكثر خطايا الانقاذ خطراً. هو مقاربة هروبية تجهل عمداً التحديق في وجه الواقع المعيش. أكثر من ذلك هو جفول عن تحمل المسؤولية ومواجهة التداعيات.
الأدب السياسي في عهد الانقاذ حافل بالإسباغ الديني على القضايا اليومية. الحد الأدنى منها يصور تلك القضايا بمثابة ابتلاءات ربانية للشعب. هذه القدرية المطلقة رؤية مفزعة إذ تفرغ مؤسسات الدولة من أعبائها ومهامها وتجرد رجال السياسة من مسؤولياتهم.
هذا الخطاب لا يصدر في الواقع عن قناعة ايمانية ساذجة. إذ أصبح سمة غالبة لدى فئة من نخبة الانقاذ. المنهج المكرس يفضح ذرائعية تفتقد إلى الحد الأدنى من الأمانة الفكرية والجرأة السياسية.
الأزمة لا تكمن فقط في تعطيل العقل السياسي الفردي والجمعي وتجميد مؤسسات الدولة. بل تذهب أبعد من ذلك لجهة تبديد معركة الشعب المصيرية مع المستقبل. فمن شأن السقوط في فخاخ هذه الذرائعية القعود عن السباق الحتمي مع التحديات على طريق البناء والتنمية.
تفكيك هذه العقلية المتورطة عمداً في الماضي تمثل أحد المحاور الأساسية في المساهمات الفكرية الرصينة لمحمد عابد الجابري. المفكر المغربي ظل مهجوساً بالتحريض على قراءة الماضي بالتجذر في الحاضر وليس قفزاً عليه.
الانقاذ تتوغل في الماضي حد المماهاة بين عهدها وبين عهد السلف الراشد. هذه المماهاة تدين الانقاذ حتماً فيما لو حكمَّنا المعايير النقدية على نحو موضوعي صرف. فربما انتهينا إلى التناقض الحاد بدلاً من المشابهة دع عنك المماهاة.
نظرة عجول على سني الانقاذ الاثنتين والعشرين تكشف بجلاء الإخفاق الفاضح مقارنة مع اثنين وعشرين عاماً قضاها الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم» في شأن الأمة بعد تلقيه التكليف الإلهي.
خلال الفترة الزمنية ذاتها استطاع النبي الشريف تغيير ملامح وطنه وشعبه. إذ خرج بشبه الجزيرة العربية من العصبية القبلية والاحتراب إلى الوحدة والعدل والسلام. عظمة الرسول الكريم تتجسد في إحدى تجلياتها في قدرته على الخروج بتلك القبائل المتخلفة عن القوى السياسية من حولها إلى صناعة الحاضر والمستقبل.
وتأسيس أنموذج جدير بالتقدير والمحاكاة. في تلك التجربة الرائدة لم يكن محمد «صلى الله عليه وسلم» فقط النبي بل هو كذلك السياسي الرئيسي والعسكري القائد لكنه هو في الوقت نفسه المفكر القادر على بناء الوحدة استناداً إلى عقيدة تمثل محور النظرية السياسية.
نعم كان محمد معززاً بوحي إلهي غير أن تجربته المدنية حافلة بكل سمات المغامرة الإنسانية من شظف ومطاردة ونفي اختياري وعقد تحالفات ومصالحات ومرض ووفاة اربكت النخبة من حوله يومين قبل الإجماع على خليفة.
حينما تقابل تلك الحقبة الرسولية بسني الانقاذ الاثنتين والعشرين تطل الفاجعة صارخة إذ مقابل كل إنجاز رسولي يتبدى إخفاق النظام.
الانقاذ ايقظت بدون مبرر عقلاني سعار العصبية القبلية وأزكت الطائفية وفتت الوحدة الشعبية وفرخت التجزئة الجهوية وقسمت الوطن. أخطر السمات الاجتماعية تتبدى في العودة بالمجتمع إلى حبائل الخرافة والشعوذة والدجل. الطهارة ليست من سمات الدولة.
لئن كانت تجربة الرسول الكريم معززة بوحي رباني فإن عمر بن الخطاب لم يكن أكثر من تابع مجتهد توسم طريق الرئيس المؤسس والخليفة الأول. في عهد الخليفة الثاني اتسعت رقعة الدولة وانتشرت مظلة العدل والثراء في غضون عشر سنوات أي ما يوازي نصف العهد الرسولي إلا قليلاً.
هذه المقابلة المفترضة لتبرير الإخفاق السياسي خدعة من الصعب التسليم بأنها انطلت على نخبة مستنيرة كما أنها من المستحيل ان تنطلي على الشعب.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.