من حقنا على دولة الانقاذ مساءلتها عما اذا كانت قد مارست سيادتها على تراب الوطن كاملاً منذ نشوئها؟ من حقنا على الدولة ذاتها الإجابة البيّنة ذلك أن الدولة تجسد إرادة الشعب فوق ترابه الوطني. المراجعة التاريخية الأمينة ليست في صالح الانقاذ إذ ظلت مناطق خارج سيادة الدولة.
من حقنا على الانقاذ كذلك مساءلتها عما اذا كان جهاز دولتها الإداري قادراً على الاضطلاع بوظائفه في تأمين هيبة الدولة وتوفير الخدمات للمواطنين؟ الإجابة ثانية ليست بأفضل من سابقتها.
من حق الانقاذ علينا إسداء النصح ومن حقنا عليها ألا تقابل النصح بالتهميش والاستعلاء.
عندما نجزم بإخفاق الدولة في بسط سيادة الشعب على ترابه الوطني وتأمين الخدمات فإن ذلك لا يستهدف إدانة الدولة. ذلك موقف لا يخدم الدولة ولا يعين الشعب. إعادة مثل هذا القول يقصد ضرورة اصلاح حال الدولة أولاً.
من غير الاعتراف بإخفاق الدولة في ذلك كله وفي إرساء أسس المواطنة على قاعدة التنوع الإثني والثقافي والديني لن يبدأ مشوار الإصلاح. إعادة الانصهار الوطني يتطلب اعتماد المواطنة المعيار الوحيد الذي يتم الاحتكام إليه ومن ثم يتم تغليبه على الانتماءات الضيقة كالقبيلة والجهة والولاء للسلطة. هذه المعايير السارية حالياً هي نفسها منحت وتمنح حوافز ومبررات لعمليات تساهم في تفكيك البنى الوطنية. هي معايير تحّرض على العزل أحياناً وعلى القمع أحايين وعلى التهميش مرات وعلى الانقضاض مرات أخرى. هي نفسها تغري على المعارضة أحياناً والتمرد مرات والخروج عن سلطة الدولة أحياناً.
هذه المعايير ساهمت كذلك في تشويه الهوية الوطنية وطمسها خاصة عندما يتم اخضاعها وفق منظور ايديولوجي بعينه. من شأن إعلاء مبدأ المواطنة بث روح الحب والولاء للوطن على نحو دائم بدلاً من جعله طقساً موسمياً يعلو شأنه في مناسبات محددة. مثل هذه الروح كفيلة بتفريغ المناطق الموبؤة بالغبن الاجتماعي واسكات المناطق الملتهبة بالاحتجاجات واخماد بؤر التمرد والخروج على سلطات الدولة.
الروح الوطنية لا تنبت في أجواء الكراهية والدولة الوطنية لا ينجزها خصوم متنافرون يشعر بعضهم بالتهميش وآخرون بالغبن وآخرون متمردون. للوطن دلالة الأمومة ومن طبع الأم الرأفة ببنيها والتباهي بهم. ضيق الأفق وحده يجعل الوطن ضيقاً. ضيق الأفق وحده يجعل الدعوة إلى الإصلاح جريمة تستوجب العقاب.
كلما تعالت أصوات المطالبين بالإصلاح قابله القابضون على مفاتيح القرار بالتجاهل والاستعلاء أو التحقير والتضييق على مصادر الأصوات. مع تناقض الاتجاهين أو تصادمهما تزداد قضية الإصلاح إلحاحاً وتتسع دائرة المطالبين به من النخبة إلى القاعدة الشعبية.
ربما هذا التناقض أو هذا الاتساع أو الاثنان معاً يجعلان الممسكين بمفاصل القرار السياسي غير قادرين على الفرز بين أعراض الأزمة وخيارات الحل. إذ لا يجدون مخرجاً غير التورط في ممارسات العنف بأشكاله المتباينة.
مع أن أجهزة الأمن أكثر تأهيلاً من غيرها على استيعاب التعقيدات وإبصار التراكمات استناداً إلى ما تملك من مخزون المعلومات إلا أنها تبدو غير مؤهلة لإغاثة أجهزة الدولة الأخرى على إدراك الأزمة أو العمل على معالجتها.
اخفاق أجهزة الأمن يتبدى في توغلها في مناهج التحقير والعنف ضد المواطنين.
الحديث عن وجود معارضة مصادمة وأخرى مروضة تم اشراكها في السلطة ووجود تشكيلات نقابية مع مكونات المجتمع المدني الأخرى ربما يشكل صورة عن استقرار سياسي. هو في الواقع استقرار سياسي وأمني مظهري مثل تلك المكونات. هو واقع يصنعه الحرص على الاحتكار المطلق للسلطة والتحكم في منسوب صوت المشاركة والقدرة على اسكات المعارضة أو محاصرتها. الشركاء لا يملكون حق المساهمة في صنع القرار السياسي ويتم استرضاؤهم. ليس من طبع التشكيلات النقابية الاستيلاد من رحم السلطة أو الانتساب إلى تنظيمها. هذا الحلف المخلَّق هو المسؤول عن التفتت.