كثافة الأزمات الخانقة أضفت على الوطن صبغة خاصة على نحو يتفرد بها عن كافة الدول. التغييرات الشكلية من قبل النظام على منظومة الحكم وتقنينها لم تضف بعداً جوهرياً في طبيعة النظام أو سياساته.
ثمة تناقض مزدوج يجعل النظام والوطن يدوران في دوامة الأزمات. غير مجد محاولات تبرير التدهور بالتعرض الدائم للضغوط الخارجية. كذلك ليست مقنعة ممارسات القمع الدائرة درءاً لمخططات خارجية. كلاهما الأزمات الخانقة ومصادرة الحريات يفتحان الأفق أمام أشكال متباينة من التدخل الخارجي. مما يعقد الأمر ركون النظام دائماً للاستقواء بالخارج بحثاً عن مخارج لأزماته الداخلية. الهروب بالقضايا المزمنة والعالقة والطارئة إلى دول الجوار والمنظمات الاقليمية والدولية يتزامن مع إصرار متعمد وملح لتجاهل القوى السياسية في الداخل.
كل الضخ السياسي الوطني المصاحب للأزمات قبل استفحالها وأثناء تضخمها وبعده يقابل بتهميش مثير للحيرة من قبل النظام. عدم الإصغاء لنداءات المعارضة وطروحاتها وتجاهل أصوات النصح الصادرة من داخل معسكر النظام وأصدقائه يتنافى تماماً مع مقومات الحكم الرشيد وأخلاقياته.
إذا عددنا يوماً سمات الانقاذ المميزة فلن يكون في مقدورنا اسقاط القدرة على الامتصاص الإسفنجي الفائق للمطالب الإصلاحية. هي مطالب تصدر في صيغ متباينة تراوح بين المقالات والمذكرات تسدي النصح أحياناً وتنطوي على دعوات أحايين وتتخذ أشكالاً احتجاجية أحياناً. كثيراً من هذه المطالب ـ إن لم يكن جميعها ـ تعين النظام على معالجة الأزمات ولا تستهدف إطاحته. بعض منها يحضه على تغيير ملامحه ومن ثم سياساته. قليل منها يحُرضه على تجميل نفسه. كلها لم تحرك من به صمم.
تصدير قضايانا الداخلية إلى طاولات الخارج أفضى إلى تشويه صورة السياسي السوداني ووصمه بالعجز. تلك إدانة لا تستثنى أحداً من رجال النظام ونسائه أكثر مما توصم أحداً في المعارضة.
أزمة النظام لا تتجسد فقط في صممه بل سكونه بهاجس الشكوك تجاه كل ما يصدر إليه من نصح أو مطالب إصلاحية. بغض النظر عن مصدرها أو نبل غاياتها فإن حكماً مطلقاً ومسبقاً من قبل النظام يجعلها عرضة للتهميش الحكومي المتعمد باعتبارها منطلقة من عداوة.
القول بخصوصية النظام ومنهجه الإسلامي ومن ثم استهدافه من قبل الخارج من أجل تجاهل النداءات الإصلاحية لن يبطئ حركة التاريخ الذاهبة دائماً باتجاه التقدم والتغيير.
نشر مظلة دستورية وزيادة مؤسسات السلطة على المستويين المركزي والاقليمي لم تؤديا إلى قوامية المؤسسات التشريعية على الأجهزة التنفيذية ومن ثم إصلاح أداء أزرع السلطة أو حال النظام. على نقيض ذلك تبدو بعض القوانين في أحسن حالاتها بمثابة تقنين لممارسات الاستبداد والفساد. من غير الممكن إطالة يد أجهزة الأمن بحيث تعمل بالوكالة عن أهل الحكم ومؤسساته من غير المقبول نهوض الجهاز بكامل جبروته في وجه مواطن لم يفعل أكثر من التعبير عن رأيه.
المشهد الرسمي يعج بالمؤسسات الحكومية مسميات مجسدة في مبان وأخرى غير مرئية. هو مشهد مثقل بالترهل المركزي والمناطقي حداً يثقل كاهل الدولة على نحو يقعدها عن أداء دورها. كل هذه المؤسسات والأعباء تذهب في سياق استرضائي أكثر من تقصدها فرض الرقابة أو فعالية الانجاز أو رشاقة الأداء. من اليسير الاتفاق على استخلاص جمعي على التأثير السلبي لهذا التفريخ الحكومي. كذلك من الممكن الإجماع على تعويقه المصلحة العامة. لا سبيل لمكابرة أمام ترهل الدولة وبيروقراطيتها المنتفخة بشريحة منتفعة وبطالة مكدسة وأداءٍ بائس فقير.
الحديث عن إصلاح متدرج مرتقب يستهدف في الواقع تحجيم حركة الإصلاح وتعزيز سلطات رجال النظام وإطالة أمدها وجني أرباح مواقعهم. هو يتيح في الوقت نفسه فسحة أمام الأجنحة المتصارعة على السلطة لتسوية خلافاتها أو حسمها.
لا خلاف تجاه بروز أزمات استوعبت الانقاذ والوطن سنين عددا وعقبات عرقلت مسيرة النظام والشعب. الشعب والوطن خسرا كثيراً من مكوناتهما ومصادرهما. مع ذلك فالثابت في الوقت نفسه أن مشاكل الدولة حالياً أكبر مما كانت عليه قبل الانفصال كما أن حال الشعب أسوأ مما عايشه قبل عقد من الزمان. الثابت أيضاً أن موقف النظام ليس أفضل من حاله قبل العقد نفسه. ربما تعكس مظاهر استفحال الأزمة في حال اليأس المهيمنة على المنادين بالإصلاح من عقلاء النظام وغيرهم.
كل هذه الأزمات والعقبات قد تبطئ ايقاع الاصلاح والتغيير لكنها لا تقاوم حركة التاريخ فالثابت للعيان أن نداءات الاصلاح والتغيير هي كذلك أقوى مما كانت عليه قبل عقد من السنين.

yasir gasim [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
////////////////