نوبات الاشتباك المسلح بين السودان والجنوب تنفجر من عقليات تتسم بالقصور أكثر مما تعكس واقعاً متأزماً تقتضي معالجته اللجوء إلى السلاح والنار. الحرب تنشأ أولاً في العقول كما تقول ديباجة ميثاق حقوق الإنسان العالمي.
الأزمة بين الشمال والجنوب لا تكمن فقط في ما بات يعرف بالقضايا العالقة قبيل الانفصال. جذر القضية المفصلية يتمثل في عجز النخب الحاكمة إزاء تحديد خياراتها الاستراتيجية.
على الرغم من ترديد خيار السلام في الخطاب الرسمي الصادر عن العاصمتين إلا أن إعلاء السلم منهجاً في أولويات الجانبين لا يرقى إلى الحد الأدنى من جوهر الخطاب أو تعبيراً عن استراتيجية وطنية حقيقية قائمة على الإنماء والبناء والعدالة والرخاء.
الساسة والمنظرون ـ العامة منهم والايديولوجيون ـ يغزون الماكينة الإعلامية بمفردات التدابر والعداوة والقتال على نحو يزيح الحواجز بين المعارك السياسية وجبهات الحروب. الطحن الغوغائي المجاني أفرز انطباعاً مسطحاً لدى الرأي العام صنع من الحرب آلية مقبولة لفض النزاعات وتسوية الخلافات. صناع القرار ذهبوا بالرأي العام أبعد من ذلك إذ جعلوا الحرب خطوة حتمية لانتزاع الحقوق محور الخلافات بين الشمال والجنوب.
لا أحد في العاصمتين يفسح حيزاً للتنوير بأن الحرب تشكل الوسيلة الأخيرة عندما تستنفد كل السبل جدواها في تحقيق الأهداف السياسية الوطنية. كأنما الطرفان أسدلا الستار على كلفة الحرب الأهلية الأطول أمداً في أفريقيا.
الخسائر الباهظة المتراكمة عبر العقود الخمسة تكفي وحدها للنأي بالجانبين عن العودة إلى المستنقع. لو انشغل الجانبان ببناء أولويات الاستراتيجية الوطنية لاستثمرا تجربة الحكم الثنائي إبان المرحلة الانتقالية في بناء مصدات تمنع الانزلاق إلى المستنقع مجدداً.
لو استبصر الشريكان ما استدبرا من تجربة نيفاشا لأدركا حرص الشركاء على استكمال حل القضايا العالقة سلماً على نحو يبدد سحب التوتر فوق حقول النفط.
حتى لو صارت الحرب حتمية فإنها لا تصلح آلية لمعالجة قضايا نيفاشا العالقة. كلما اشتعلت جبهات القتال على قدر ما تنهار الاتفاقية. إذا غابت هذه الحقيقة الجوهرية عن وعي القيادات السياسية والعسكرية تصبح الكارثة أكبر من التدهور المرئي على الجبهات الاقتصادية والاجتماعية.
في بعض التصعيد العسكري على الخطوط الأمامية تصدير للأزمات الداخلية. هذا هروب مؤقت إلى الأمام من محنة الإخفاق في معالجة القضايا الحياتية اليومية للشعبين في الشمال والجنوب.
هو هروب مؤقت من الداخل يجري فيه استنفار المشاعر الوطنية بأسلوب انفعالي زائف. تحت التجييش الغوغائي يبدو الرأي العام وفئة من صنعته أكثر تطرفاً وعدوانية أو أكثر خوفاً من الوقوف في وجه المد السطحي. لو عمد حكيم إلى إعلاء صوت العقل لسلقته ألسنة طوال حداد بفاحش القول والخيانة والتخذيل.
أفضل الأصوات العقلانية في هذا الهيجان السياسي تنادى برفع السلاح من أجل تعزيز الموقف التفاوضي. هذه نظرة لا تجافي المنطق لكنها تحرق المراحل لجهة الأسوأ. الحوار بالسلاح لا يأتي في أولويات وسائل التفاوض.
الحرب ظاهرة سياسية مركبة يتطلب النظر في متونها الفرز بين الصراع والقتال كما بين الاحتدام والانفجار. الصراع ينجم عن تناقض أو ربما تصادم في المصالح تتم إدارته عبر سبل سلمية متباينة تشمل العمل الدبلوماسي والضغوط والعقوبات. حال احتدام الصراع وعجز هذه الوسائط في احتوائه يصبح الموقف قابلاً للانفجار فينشب القتال.
هناك حروب محدودة تستخدم الدول فيها بعض إمكاناتها على جبهات محدودة من أجل تحقيق أهداف سياسية محددة. هناك حرب شاملة تستخدم فيها الدولة طاقاتها التدميرية على أكبر رقعة تطالها بغية إجبار الطرف الآخر على الاستسلام أو الإذعان للشروط بما يحقق غايات المعتدي.
حرب هجليج وأخواتها لا تندرج في أي من الفئتين إذ كلا الطرفين غير مؤهلين لفتح حرب محدودة تبلغ أهدافها دع عنك حرب شاملة تكسر عظم الطرف الآخر. هي في الواقع ممارسة للتفاوض بالسلاح كما هي في الوقت نفسه تنطوي على هروب من محنة الداخل إلى الخطوط الساخنة. الحرب لدى الطرفين فرصة لتجييش الداخل من أجل إعادة بناء جبهة داخلية خلف النظام.
في هجليج وأخواتها لا يملك طرف مقومات النصر الحاسم على الآخر. هي حرب استنزاف أبعد غاياتها إنهاك الطرف الآخر وتعزيز أوراق التفاوض. خطورة اللعبة تكمن في مواصلة هذا الإنهاك حتى إذا استدعى الأمر الكر والفر في محاولة عبثية متبادلة لكسر الصمود. هي ممارسة عبثية إذ انها تأتي في سياق غياب استراتيجية السلام وإعلاء خيار السلم وتعايش الجوار. على هذا النحو تبدد النخبة الحاكمة طاقات الشعوب الهزيلة وتبدد فرصها المستقبلية.