عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
في دروس السياسة الابتدائية توجد مصالح دائمة ولا توجد عداوات دائمة. هذا الدرس المكرور يبدو عصياً على صانعي القرار في الخرطوم استيعابه كما يبدو. المصالح الدائمة بين الشمال والجنوب أكثر اتساعاً وديمومة من العداوات رغم تشرب الأخيرة بالدم.
في ظل الإخفاق إبان إدارة المرحلة الانتقالية في استيعاب الدرس على نحو يعزز المساكنة في السلطة انتهى بنا الأمر إلى تقسيم الشعب والوطن. فشل المساكنة يؤشر بالضرورة إلى صعوبة المجاورة. البدايات غير الراسخة لا تؤسس إلى بنيان مكين. التمادي في عدم استيعاب الدرس الابتدائي أفضى إلى إدارة الجنوب ظهره للشمال وبدء موسم الهجرة جنوباً.
التجاذب في شأن رسوم العبور النفطي ليس سوى عارض في الأزمة المزمنة بين الشمال والجنوب. المقابل النقدي بند طفيف على فاتورة وطنية عجز الشريكان عن تسديدها. القراءة غير الأمينة والشجاعة لاتفاق نيفاشا أدت إلى سلسلة من التسويات المبتسرة لقضايا جوهرية. بدلاً عن تجسير الهوة بين الجانبين حفرت المعالجات الخاطئة أخاديد إضافية على جبهات عدة بين شقي الوطن.
عقب توقيع نيفاشا رأى طرف جنوبي في الاتفاق أكثر من إنجاز استثنائي من منطلق إخماد الحرب وتمهيد السبيل إلى الانفصال. هذا طرف لا يرغب في تسديد فاتورة السودان الجديد. كذلك تطابقت رؤية طرف شمالي تجاه الاتفاق وموقعه إزاء كلفة الفاتورة.
احتكار السلطة يشكل لدى هؤلاء وأؤلئك إغراء أكبر من طموح السودان الجديد. كلاهما غير مؤهل لتحمل أعباء فاتورة الوطن الواحد الموحد العامر بروح المواطنة والديمقراطية. كل منهما استعجل سنوات المرحلة الانتقالية ضارباً موعداً مع حتمية الإنفصال.
المحاججة بقصور رؤى الجنوبيين يلقي على الشماليين مسؤولية وطنية لجهة التبصير بخطورة خيار الانفصال.
الصبر على ممارسات الشريك الجنوبي لا يستوجبه فقط الوعي المفترض بل المصالح العليا والدائمة للوطن والشعب. بعيداً عن نبش آثام المرحلة الانتقالية يمكن الإشارة فقط إلى الحملة الضروس من قبل الشريك الشمالي على من ظل يعرف بـ «أولاد قرنق». الحرص على المصالح الدائمة بين الجانبين والعليا للشعب الواحد كان يفترض على الشريك الشمالي احتواء «أولاد قرنق» إذ هم القابضون على جمرة السودان الواحد الجديد.
حتى بعد وقوع الانفصال لم تتسم النظرة الشمالية تجاه الجنوب فقط بالتعالي بل جنحت إلى الثأر والانتقام. تلك نظرة تفتقد البعد الوطني الموضوعي وتنقصها رحابة الصدر والوعي وتغص بالتراكمات السلبية. هي النظرة الغالبة في مقاربة ما يسمى بالقضايا العالقة.
رئيس الجمهورية تعهد عشية الانفصال وغداته بوضع خبرات الشمال في خدمة دولة الجنوب الوليدة. ذلك التعهد النبيل لم يكن بلاغة إنشائية إنسانية فقط بل استلهاماً للعيش المشترك والمصالح الشمالية إن لم تكن المصالح المشتركة كذلك.
المسار الانفصالي لا يلغي تاريخاً راسخاً وواقعاً ماثلاً يفرض مصالح دائمة. من الحكمة المستقاة من درس السياسة الابتدائي البناء على الواقع القائم بدلاً من اللجوء إلى ممارسات الهدم العشوائي.
الوعي الجمعي الشمالي في الإدارة والتخطيط والبناء يستوجب الأخذ بيد الدولة الناشئة الخارجة من تحت مظلة الوطن لجهة النهوض على قدميها. هذا جهد يمليه دور «الأخ الأكبر» ليس كما رسمه نص جورج أورويل مع ان الجانب الشمالي جنح إلى القراءة في الحاضر والمستقبل وفق «حديقة الحيوان» وهو نص آخر الروائي الانجليزي نفسه.
القراءة الذكية في المصالح والمستقبل تحرض على مد السواعد الشمالية تجاه الجنوب متجاوزة كل ما يسمى بالقضايا العالقة.
مثل تلك القراءة تستدعي تقديم العون السخي وتأمين قنوات المصالح ومسالك التبادل وتعزيز شبكات العلاقات.
مجرد تفكير الجنوب في الاستعانة بطرف ثالث يشكل خطيئة شمالية. من مصلحة القابضين على صنع القرار في الخرطوم تنشيط خطوط التواصل بين الشعبين براً ونهراً وجواً.
في حساب المصالح المشتركة تصبح رسوم الأنبوب النفطي ـ أياً كان قدرها ـ بنداً يعزز العلاقات ولا يفسدها.
الوعي المكتسب لدى الدولة الشمالية ومصالحها العليا يفترض سلوكاً مغايراً لممارسات العقاب الجماعي ضد أبناء الجنوب كلما اكتنفت العلاقات أجواء التوتر. مثل هذه الممارسات تنصب على المواطنين ولا تطال الساسة إلا بقدر إحساسهم بالمسؤولية تجاه شعبهم. عمليات الترحيل الجماعي القسري للجنوبيين في الشمال جريمة في حق الشعب. حمل الجنوبيين على تتبع انسابهم ضرب من التطهير العرقي. النظام يتوغل في نفق مسدود يفضي حتماً إلى ممارسة الانتحار أو مواجهة الانفجار. إدارة الجنوب ظهره للشمال لا يخفف ضائقة ضاغطة تحاصر الشعب.
هذا منتهى غضب أهل الثورة في الجنوب. توجيه أنبوب النفط جنوباً يؤشر إلى إحداث قطيعة جذرية في المصالح المشتركة.
أصوات الرفض في الشمال لم تعد وقفاً على دوائر المعارضة التقليدية للنظام. مذكرات الاحتجاج المتصاعدة داخل حوش النظام تعبر عن استحكام الأزمة. التوسع العشوائي في التعليم أدى إلى تكدس بطالة لم تعد تحتمل الفاقة.
عائدات النفط أفرزت طبقة طفيلية لم تعد تألف شح السيولة. تغليب الولاء على الكفاءة راكم شريحة تتكسب من فيىء الدولة ولن ترتضي الحياة في حدود دخلها المشروع. فئات عدة استثابها النظام واستمالها فعاشت على هامش الفورة وليس في وسعها الصبر على هجير النظام. هناك شخصيات ظلت تسدي الحكمة بغية نزع هيبة الدولة عن استبداد النظام. هذه هي مصادر الثورة من داخل دائرة الثروة. الحركة السياسية نهر تصب فيه روافد متعددة.