عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
التشكيك في صدقية المذكرات المتصاعدة داخل المؤتمر الوطني ليس مجافياً للمنطق. الشعب لم يألف النقد وصداه داخل الحزب الحاكم. قيادات النظام لا تحتمل الرأي الآخر دع عنك الإصغاء إليه.
دأبها التعالي فوق النقد وتحقير الناقدين. ثمة قيادات من داخل الحركة الإسلامية ظلت تمارس النقد من منطلق النصح دون العثور على تجاوب من قبل القابضين على مفاتيح السلطة.
من حق بعض المعارضين اعتبار المذكرات محاولة من قبل النظام للهروب من رياح الربيع العربي الآتية إلى الخرطوم لا محالة. هؤلاء ينظرون بعين الرفض دوماً ومن منطلق الثقة المفقودة أصلاً.
هناك معارضون ينظرون إلى المذكرات على نحو أكثر موضوعية ،إذ يرون فيها خطراً. هي لدى البعض تدعو إلى مزيد من التشدد والتزمت والتطرف والاحتكار. أو هي في قراءة بعض آخر تنفس احتقاناً شعبياً يزداد كثافة ويضيق حول عنق النظام.
أياً كانت البواعث فمما لا شك فيه أن أزمات تستفحل حالياً تضاف إلى أزمات مزمنة تثقل أعباؤها كاهل النظام. الحزب الحاكم أخفق في تحقيق طموحات قطاع عريض من الشعب وشريحة واسعة من قاعدته. قيادة الحزب عجزت عن الارتقاء إلى مستوى أمنيات في اتخاذ مسار مغاير بعد الانفصال. التشكيل الوزاري المترهل بأسماء مكرورة ووجوه شائخة وأحزاب لا ثقل لها ،أصاب أعداءه وأنصاره بالضجر. التشكيل الحكومي يجسد فصلاً مرهقاً على الشعب والدولة. هو يكشف بجلاء الأوليقاركية المتمكنة، تختار من تشاء وتفعل ما تشاء وكيفما تشاء.
زمن المساومات ـ لا نقول المشاورات ـ الخاصة بالتشكيل الحكومي تؤكد بجلاء عدم وجود أية مساحة للتسامح الفكري والتفاكر داخل الحزب الحاكم. طبيعة التشكيل كشفت كذلك انعدام وجود الاستعداد للمشاركة القائمة على الممارسة السياسية المفتوحة. حجم الحكومة يوسع فجوة الثقة بين المواطن والنظام.
ربما يكون مجافياً للواقع اعتبار قاعدة المؤتمر الوطني بمثابة كتلة صماء لا ترى إلا ما يراه قادة الحزب المتنفذون. وسط هذه القاعدة مواطنون يدركون تراكم الممارسات الخاطئة وتزكم أنوفهم روائح الفساد المتصاعدة. داخل حوش المؤتمر مظاليم يعانون شظف الحياة اليومية ويقاسون أعباءها. نعماء السلطة لا تطال سوى شريحة فوقية من هرم الحزب.
من داخل حوش المؤتمر متطلعون غير قانعين بأنصبتهم مقارنة مع اكتناز زملاء ومستجلبين ومستأنسين يجنون ما لا يحق لهم. داخل الحوش نفسه أصحاب رؤى ليست ملوثة بالأطماع الشخصية.
من حق هؤلاء وأولئك ممارسة الاحتجاج وتبني وسائله المتنوعة. بدلاً من التشكيك فقط في منطلقاتهم وغاياتهم ربما يفيد المعارضة الاستثمار من ممارساتهم وموافقتهم. الحراك السياسي الفكري لم يعد يرتضي الأفكار المعلبة. المصطلحات السياسية باتت تدلل على الشيء ونقيضه أحياناً. اليمين السياسي يتبنى الليبرالية الاقتصادية ،بينما يرفض الليبرالية الاجتماعية مثلاً.
مذكرات الاحتجاج داخل المؤتمر ليست استثناء في المشهد السياسي. الحديث عن وجود مذكرات داخل حزب الأمة تنتقد القيادة ليس سراً. هناك أصوات تعالت خارج بيت الأمة نافذة ومطالبة بالإصلاح. كذلك ليس سراً وجود أصوات ناقدة وناقمة داخل الحزب الشيوعي. مبلغ علمي وجود مذكرة ـ على الأقل ـ من قيادية مرموقة منذ فترة غير وجيزة تطالب بالتصحيح والإصلاح.
مثل هذه المواقف لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مظاهر سلبية ينبغي التستر عليها أو عورات يجب إنكارها. على نقيض ذلك فوجود هذا السيل من المذكرات الاحتجاجية في وجوه القيادات الحزبية ينم عن وعي سياسي من المفترض الاهتمام به والبناء عليه على نحو يثري العمل.
هذه المذكرات تدل على وجود تيار أو جماعة قابضة على جوهر الحزب ساهرة على مساره وغاياته. أكثر من ذلك أهمية أن هذا التيار أو الجماعة يملك من الجرأة والشجاعة ما يجعله يجأر برأيه أمام نظر وسمع القيادة.
الأكثر أهمية من ذلك أن هذه الجماعة أو هذا التيار حريص على البقاء داخل هياكل الحزب وممارسة العمل الجاد على الإصلاح من الداخل.
هذا في حد ذاته يشكل انجازاً متقدماً في الحراك السياسي.
كأنما انقضى عهد الخروج عن القيادات بالانسلاخ والانقسام. على مسرحنا الحالي أكثر من حزب أمة وأكثر من حزب اتحادي ديمقراطي وأكثر من حزب وطني. وأكثر من مؤتمر إسلامي.
تصاعد المذكرات الاحتجاجية داخل الأحزاب تبلور ظاهرة ايجابية تجسد توجهاً سياسياً في الحرص على الاندماج والانتماء لتنظيم سياسي والبقاء في الداخل والحرص على ممارسة إصلاحه وأخذ المبادرة دون انتظار القيادة أو مراعاة خاطرها.
هذا التوجه جدير بالاهتمام من قبل قادة الفكر السياسي وحملة قبس التنوير الاجتماعي من أجل تعميقه. إثراء هذا التيار يشكل أحد المسارات الآمنة لدفع هياكل حزبية معطوبة.
الاعتراف بوجود مظهر ايجابي في المذكرات المتصاعدة داخل المؤتمر الوطني لا تزيد من كعب الحزب الحاكم إلا بقدر ما تضيف إلى رصيد المعارضة الناقدة لسياسات النظام. المسألة تعتمد على سلوك تقليدي لدى معارضين لا يرون دوماً غير النصف الفارغ من الكوب.
////////////////