عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إذا أدى المسكوت عنه ــ وفق رؤية فرانسيس دينغ ــ إلى الانفصال، فإن المسكوت عنه يفضي إلى مزيد من تفكيك الوحدة الوطنية وتفريخ المزيد من الأزمات.
ترهل الحكومة الجديدة يعرِّي عجز النظام إزاء التأقلم مع واقع الانكماش المفروض بأمر الانفصال. التشكيل الفضفاض يؤكد الإصرار على التوغل في الدروب المسدودة. إذا كان النظام غير قادر على اكتساب الوعي للتكيُّف والمواكبة ومن ثم عاجزاً عن تجاوز أخطائه فلا يمكن الرهان على مقدراته في معالجة قضايا الوطن والشعب.
التشكيل الحكومي الفضفاض لا يعكس في واقع الأمر قاعدة حزبية عريضة. مثل هذا الشعار يفضح التضليل السياسي وتحوُّل الخطاب إلى ضرب من الاستهزاء بالآخرين. التشكيل الوزاري الفضفاض يمثل ترجمة فصيحة لتآكل القوى السياسية وامتهان رموزها.
على نقيض القاعدة الحزبية العريضة، فإن التشكيل الحكومي الواسع يعكس ترهل الرابطة الوطنية واستثارة نزعاتها الإثنية والجهوية. التوصيف الذرائعي والتبرير المصلحي لا يسبغان مسوحات ديمقراطية أو وطنية على المشهد السياسي المتخشِّب. الجديد المثير في التشكيل الحكومي يتمثل في العودة بالعمل الوطني إلى البيت الطائفي مع مراعاة فروق الأدوار بين ما كان عليه البيت الطائفي من قوة وما هو عليه من وهن.
هيمنة الحزب الحاكم على المسرح العام، أفقدت العمل السياسي جوهره في البناء الوطني. مع القبضة المشددة حد الاحتكار على قنوات العمل السياسي وحركة السوق تم تفريغ منابر العمل العام ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية من مضامينها.
تماهي الحزب الحاكم والدولة أدى إلى تنامي النظام على نحو أخطبوطي في أشكال شركات كوكبية أشبه باللوبيات تجسِّد في مجموعها منظومة شمولية جارفة. داخل هذه المنظومة تنطمس الحدود بين العام والخاص، بين قيم الدين وموازين السوق، بين الثوابت الوطنية والمصالح الحزبية، بين الانتماء الوطني والولاء الأمني.
تحت هذه المظلة يجري التلاعب على نحو فاضح بالتناقضات وتُهدر معايير الكفاءة وتُنتهك قواعد العدل والتمايز فتستشري المظالم الاجتماعية ومظاهر التفكك والاضمحلال والانحلال وعدوى الأمراض والأزمات العابرة.
مع تصاعد طغيان الدولة يتراجع عادة دافع المشاركة السياسية الشعبية، إذ يفرز الطغيان طاقة هائلة من الإحباط. ذلك شعور تنداح دوائره مع ارتفاع معدلات تكريس العمل الفردي مقابل المؤسسة وتفضيل المحسوبية على حساب المؤهلات وترجيح الاتباع على الإبداع.
ربما يكون الوضع الحالي يعبر أحد منعطفات الإحباط الجماعي. هذا شعور يتنامى مع بروز التشكيل الحكومي الجديد. بالإضافة إلى عجز النظام عن إبداء مؤشرات للتأقلم مع الواقع الجديد ومن ثم استعداده لمعالجة أخطائه فإن المعارضة تزيد الإحباط إحباطاً.
كما عاد المؤتمر الحاكم بالعمل الوطني إلى البيت الطائفي، اختار زعيما الطائفتين التحوُّل إلى جزء من الأزمة الديمقراطية بدلاً من البقاء في معسكر آليات حلّها. ذلك اختيار يتوغَّل في الخطيئة حد إلحاد قطاع عريض من الأتباع والأنصار.
الخطوة نفسها أثارت رد فعل سلبياً داخل المؤتمر. ربما يحق لقياداته زعم تحقيق مكاسب من وراء جرِّ زعيمي المعارضة إلى السلطة التنفيذية. ذلك زعم لا يملك الشيخان حق التباهي به. كلاهما متورط حالياً في تحليل الصفقة الخاسرة الحرام.
التشكيل الحكومي الفضفاض يشكل في مجمله إفلاساً سياسياً. بهذا الخيار يسدل زعيما الطائفتين ستاراً قاتماً على حقبة إمكانية الرهان على القوى التقليدية في إحداث نقلة نوعية في السياسة السودانية.
ربما ينجح الرفض داخل الاتحاديين في خروج نهائي عن أسر الطائفية. قناعتي ظلّت أن الميرغني حريص على الاحتفاظ بحزب الشعب الديمقراطي قلباً طليعياً داخل الحركة الاتحادية. خلافات الميرغني دوماً مع وجوه اتحادية وقليلاً ما اعتكرت علاقته مع أقطاب ختمية. تلك قناعة عبّرت عنها صراحة أمام مولانا في الجيزة وأبوظبي ولم أتنازل عنها رغم غضبه الانفعالي.
ربما ينجح التململ داخل حزب الأمة في إحداث ثورة إصلاحية تأتي بقيادات صلبة لا يطالها اتهام الحديث بلسانين وأكثر إصغاء للقاعدة والتجاوب معها إن لم يكن الانصياع لإرادتها.
ربما يفضي السخط داخل المؤتمرين الوطني والشعبي إلى حفر طريق ثالث يخرج بالحركة الإسلامية من الفعل ورد الفعل بين جناحيها الحاكم والمعارض يتجاوز نمط تصفية الحسابات الغالب.
ربما ينجح اليسار أو هو معني بتصعيد قيادات أكثر حضوراً في الشارع السياسي وأكثر حركة على البناء وأكثر قدرة على تبني منهج حداثي في العمل الصبور الدؤوب وسط منظمات المجتمع المدني وأكثر إبداعاً في كتابة أدبيات سياسية جاذبة بما في ذلك سك الشعارات المرحلية.
ربما يكون الإحباط سيد المشهد الراهن، غير أن حركة التاريخ ترفض إمكانية الجمود. التوغل في الطرق المسدودة يفضي في النهاية إلى الاصطدام كما الانسداد السياسي يؤدِّي حتماً إلى الانفجار. هذا منطق لا تبطل فرضياته التاريخية الهيمنة الأمنية أو التقاعس السياسي.
فاتورة الحياة اليومية تزداد كلفة. المنزلقون تحت خط الفقر يزدادون تكدساً. النزعات الجهوية تتصاعد حدة. الدولة المركزية تزداد ترهلاً حد القعود عن واجباتها. ألا ينذر ذلك بالانسداد المفضي إلى الانفجار؟
إذا كان الصبر سمة الشعب السوداني الأكثر رواجاً، فللصبر حدود.