yasir gasim [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
منذ انهيار الاتحاد السوفييتي قبل عشرين سنة فقدت روسيا البوصلة. خلال العقدين الأخيرين غادرت موسكو مدار الحزب الأيديولوجي الحاكم غير أنها لم تهبط داخل فلك الديمقراطيات. عِوضاً عن الحزب الواحد وقعت روسيا في قبضة الرجل الواحد. فلاديمير بوتين اختطف الدولة ليصبح عند عودته إلى الكرملين مطلع السنة المقبلة صاحب الرقم القياسي بقاءً في السلطة، متجاوزاً كل القياصرة وجميع زعماء الحقبة الشيوعية باستثناء بريجينيف.
عهد بوتين شهد موت شعارات الوفاء إلى الدولة أو المجتمع وفناء أخلاقيات الجماعية في التخطيط والعمل. في المقابل شهدت روسيا فشاء سلوكيات الخلاص الفردي ومراكمة الثروة واستشراء الجريمة. بوتين اختطف الدولة فوزَّع المناصب على خاصته حتى برزت طبقة جديدة تقبض على امتيازات السلطة والثروة. رجل روسيا القوي احتكر مؤسسات الإعلام وكرَّسها لصالحه، كما سخَّر أجهزة الأمن والاستخبارات لخدمته.
ممارسات بوتين لا تختلف عن نهج الأنظمة الاستبدادية، حيث هبَّت رياح الربيع العربي فاقتلعتها أو حيث تكاد.
من هذه النافذة ننظر إلى تظاهرات الغضب في عدد من المدن الروسية احتجاجاً على الانتخابات البرلمانية الأخيرة. موجة قوامها الطبقة الوسطى تخرج للمرة الأولى معبِّرة عن سخطها على سياسات القيصر الجديد.
المتظاهرون وصفوا علناً «روسيا الموحدة» بزعامة بوتين بحزب «اللصوص». أليست هذه رؤية شعوب الربيع العربي تجاه أحزاب بن علي ومبارك وعبدالله صالح والأسد؟
المتظاهرون الروس نهضوا احتجاجاً على مسرحية بوتين ــ ميدفيدف ولعبة تبادل كراسي الرئاسة. الرجلان يمارسان احتيالاً فاضحاً على الدستور واستغباء ساذجاً على الداخل والخارج. التظاهرات لن تمنع الرجلين من المضي في لعبتهما، لكنها تدق أجراس اليقظة لولاية بوتين الثالثة.
قرع الأجراس بلغ آذان الكنيسة الأرثوذكسية فكسرت للمرة الأولى انحيازها التقليدي للكرملين. كذلك فعل الأزهر والمؤسسات الدينية الرسمية في عواصم الربيع العربي. البطريرك فيزفولود تشابلن كبير أساقفة موسكو عبَّر عن تضامنه مع المتظاهرين منادياً بانتخابات شفافة عادلة. هذا موقف صارخ من رجل معروف عنه مباركة كل ما يصدر عن الكرملين.
بوتين وتابعه ميدفيدف لن يعيدا النظر في الانتخابات البرلمانية، لكنهما سيعملان على مراجعة أجندة الولاية الرئاسية المرتقبة. بوتين يستمد شعبيته، واقع الأمر، من عائدات النفط إذ أتاحت له رفع مستوى حياة الروس على نحو أو آخر.
لكن طبقة الفساد المتفشية في عهده تعرِّض شعبيته للتآكل على نحو جعل صوت المطالبة بالإصلاح يتصاعد منذ سنوات. إذا استمر الحال على ما هو عليه سيواجه الرجل ثورة لا محالة.
نوبات الاستياء أخذت تدفع تكنوقراطاً ومثقفين وشباباً للهجرة إلى الخارج بحثاً عن آفاق حياة أكثر رحابة ورفاهية. الزواج غير الشرعي بين رجال السلطة والمال أنجب طبقة متسلِّطة تستأثر بالخيرات مقابل اتساع دائرة الحرمان والمعاناة.
بوتين القادم من جهاز الاستخبارات يستعين برفاق الأمس في تعزيز قبضته على مؤسسات الدولة. هؤلاء شكَّلوا تنظيمات أشبه بخلايا المافيا للقضاء على الخصوم المعارضين. مقابل احتكار قطاع الإعلام أمسى مألوفاً اختفاء أو تصفية شخصيات في ظروف غامضة.
بوتين ورجاله شبّوا إبَّان تخثُّر سلطة الحزب الواحد. هم يواجهون حالياً جيلاً شبَّ في رياح البروسترويكا حيث ذابت أنظمة حديدية توحَّشت تحت مظلة الإمبراطورية السوفييتية.
الجيل الجديد المشبَّع بــ «ثقافة النيون» كما كان يصف الراحل يوري أندروبوف الروس المتطلعين إلى الغرب، لم يعد يقنع بغير المضي على طريق الحريات والتعددية والرفاهية.