عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
عندما يصبح احتكار العنف الهاجس الرئيسي للدولة باسم إدارة الشأن العام وتأمين الصالح العالم تراوح هذه الدولة فقط بين التوحش والتحضر. احتكار العنف يشكل الوظيفة البدائية للدولة. التحولات التاريخية تجعل الدولة الحديثة انتاج تطور مجتمعي يذهب بها على طريق تجسيد الحرية في صيغتها المثلى كما يرى هيغل.
بعد مرور أكثر من شهر على انفصال الجنوب لم نسمع خطاباً حكومياً ضافياً صادراً عن اجتماع استراتيجي لأركان الدولة يقدم توصيفاً لأبعاد الكارثة الوطنية ويرسم خارطة تجاوز تداعياتها. انقسام الوطن ليس شأناً يومياً بل منعطف حاد في مسيرة الشعب والوطن.
صحيح لم يشكل الانقسام مفاجأة على المسرح السياسي اذ جاء خاتمة منطقية للسنوات الست الانتقالية كما هو نهاية حتمية للشراكة الثنائية المشاكسة.
نعم سمعنا تصريحات وآراء متناثرة من مسؤولين حكوميين وحزبيين لهم أدوار إبان المرحلة الانتقالية ومساهمات في الشراكة. بغض النظر عن مدى عمق تلك التصريحات أو نفاذ الآراء فإنها لا ترقى في مجملها إلى مستوى الحدث. كلها صدرت في سياق اجترائي أشبه ما يكون بصدى للحدث أو ردود أفعال لمواقف على الضفة الأخرى.
حتى الآن لم تحدثنا الدولة بلسانها الرسمي ما اذا كانت تنظر إلى الانقسام على أساس اثني أو ديني أم ثمرة تلقائية للتهميش. ربما يترقب قطاع من المواطنين سماع نقد ذاتي في هذا المنعطف أو على الأقل الاعتراف بأوجه من القصور في ممارسات المرحلة الانتقالية. الوطن تعرض لعملية جراحية كبرى. جزء مهول من الأرض تعرض للبتر. قطاع عريض من الشعب تعرض للفصل. اقتصاد أصيب بالشلل. الدولة في حالة سكتة دماغية. الدولة سَّوقت اتفاق نيفاشا باعتباره انجازاً وطنياً شافياً لجراح الحرب الأهلية وجسراً لجهة تحقيق الوحدة ثم سكتت عن الكلام المباح عند إخفاق الشريكين عبور الجسر إلى الضفة السعيدة.
من حق الشعب معرفة كيف أخفقت نيفاشا بعد حدوث كارثة الانقسام في تأمين السلام. أرقام الضحايا تتحدث عن سقوط ألفي قتيل وانتشار 300 ألف مشرد من مطلع السنة الجارية على محاور التجزئة.
من حق كل مسؤول حكومي أو حزبي بل ربما من واجبه المشاركة بالرأي في مسألة وطنية بحجم الإنقسام. في الوقت نفسه يجب التركيز على أن المساهمات الفردية لا تبطل أو تلغي إعلان موقف الدولة ورؤيتها.
لو أن وزير الدفاع ـ مثلاً ـ تعرض إلى حادث في طريقه إلى دارفور لصدرت بيانات حكومية توضح ظروف الحادث وتطمئن على سلامته. الشعب بأسره تعرض إلى عملية جراحية كبرى أدت إلى بتر ثلث جسمه. كيف تلتزم الدولة الصمت؟
هذه إحدى أبرز الحالات الفاضحة حين يضطر المواطن للبحث عن الدولة بغية التأكد من وجودها من أجل الاطمئنان على حاله ومصيره. المواطن اعتاد على غياب الدولة في ظروف غامضة عند منعطفات تاريخية.
كلنا نذكر اختفاء الدولة يوم حادث طائرة قرنق. الدولة نفسها اعتادت مباغتة المواطن بالظهور في مواقع وتوقيتات لا تخطر على باله. ربما يكون ذلك باقتحام بيته في موعد غير معلن. يحدث ذلك غالباً تحت جناح «النهج الحضاري» ذلك دأب أصبح يكرس عجز «النهج الحضاري» عن حمل قيم العصر.
هذا النهج المفترى عليه لم يعد أكثر من نسخة ستالينية مشوهة. من غير المنطقي تبرير هذا التوحش بالشرعية المحمولة على انتخابات لاتزال نزاهتها محط جدل. في كل الأحوال الثابت ان الشرعية لا تحمل شعباً على القبول بسلطة تحت الإكراه المفرط. كل شرعية مكتسبة من انتخابات أو حركة سياسية أو ثورة أو عائلة مالكة أو شخصية وطنية ينفد رصيدها حين يتجمد عطاؤها أو تتراكم إخفاقاتها. كل سلطة تزرع الخيبة الوطنية لن تجني شرعية لدى شعبها.
الانقسام الوطني خيبة كبيرة تجرد النظام من مقومات البقاء إذ لم يكن وفق النصوص القانونية فبحكم التداعيات الوطنية. من حق قياديين في الدولة والحزب الحاكم المباهاة بالانقسام من زاوية بلوغ نهاية سلمية لفصل طويل من الحرب الأهلية ـ بغض النظر عن صدقية المباهاة فإنها لا تبطل أو تلغي عقد اجتماع حكومي استراتيجي عشية الانفصال أو غداته من أجل تأمين معيش المواطن ومستقبله. الجهد البلاغي المتناثر من الفريقين الحكومي والحزبي للإبراء من وزر كارثة الانفصال لن يعالج قضايا اقتصادية شائكة وملحة تفرض نفسها على الأرض. الأزمة الماثلة تتطلب رؤى تتجاوز التعامل بالتجزئة أو ردود الأفعال.
إذا كان الانفصال رغبة جنوبية مزمنة فإنه بالتأكيد نوبة شمالية طارئة. من هنا يجب الاعتراف بأنه جاء مصحوباً بمرارة غالبة في الشمال.
الأكثر جدوى استنباط وسائل سياسية يتجاوز الجانبان بها أخطاء إخفاق المساكنة إلى تأمين نجاح المجاورة. الذين أسدلوا ستاراً قاتماً على التاريخ السوداني لن يستطيعوا حفر هوة في الجغرافيا السودانية. في ضوء هذه الحقائق تبرز أهمية استنفار الغائب الحاضر. الدولة مطالبة في الواقع بتبني استراتيجيتين اثنتين. إحداهما تعالج المسائل الداخلية والثانية تنظر في شؤون الجوار.
الاستراتيجية الداخلية  لن تأتي ثمارها ما لم تبن على نهج ديمقراطي وحداثة اجتماعية يستهدفان معاً تحقيق كرامة المواطن. التصلب في حشر قضايا الشعب والوطن في نفق الهوية المشبع بالايديولوجيا الأصولية لن يخرج الشعب أو الوطن من المأزق المستحكم.
بالإضافة إلى المسألة الاقتصادية ينبغي على الاستراتيجية طرح إجابات شافية عن كيفية تصفية جيوب العنف والتعصب الملغومة باحتمالات استفحال الفوضى وانتشار التجزئة.
كرامة المواطن قضية وطنية ملحة لمن يمعن القراءة في متون الربيع العربي. منذ اضرم التونسي النار في جسده على رصيف شارع انتفض العرب من أجل استرداد كرامتهم المهدرة بقمع الأنظمة. عبدالناصر لم يكن ديمقراطياً لكنه لايزال زعيماً يشكل مكانة في الوجدان العربي إذ انه منح العرب كرامة كانت ضائعة. مع ان انتصار أكتوبر تحقق إبان عهد السادات إلا أن الرجل لم يزحزح عبدالناصر عن مكانته في قلوب العرب كما لم يحظ بمثل تلك المكانة.
الدولة العصرية لم تعد جهازاً فوقياً حاكماً بل هي كائن حي يتفاعل مع المؤسسات والمنظمات. ما لم تستوعب أي استراتيجية هذه الحقيقة فإنها لن تبلغ غاياتها ذلك أنها تأتي منقوصة.