عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لا أحد يغمط الصحافيين باعهم الطويلة في تركيب ما بات يسمى بـ«الهامش الديمقراطي» في المشهد السياسي. كما لا أحد ينكر جهدهم الدءوب في تكريس محاولات التحول الديمقراطي. ربما من الممكن الاعتراف بمغالبة مساهمات الصحافيين جهد الساسة المحترفين في حفر ( الهامش ) و( التحول )»
هذا الحكم الموضوعي ليس معيارياً مطلقاً اذ يختص فئة من الصحافيين من دون غيرهم ظلت تثابر وتبادر تفتح ملفات مغلقة بختم النظام.
هؤلاء ليسوا بالضرورة ينتمون إلى فكر مؤدلج غير أن الايدلوجيا تظل ماثلة دوماً في خطابهم السياسي.
الأهم من ذلك حضور الوعي الوطني في مساهماتهم المهنية. لا أحد يكابر إزاء فاتورة باهظة تجشمها هؤلاء أدناها خسارة الكثير من العرق والمال والورق. مع كل كلفة يأتي الإصرار على التقدم في وجه الضغوط.
في المقابل المعياري ثمة فئة ظلت تمارس تعطيل الدراية مجاراة لفكر الرواية. هي تفعل ذلك خدمة للنظام أو تملقاً له. فئة تجنح دوماً من المناظرة إلى المهاترة. هي دأبت على بث قيم الصبر العمياء والاستعباد المفضي إلى تكريس الاستبداد. هؤلاء الذين يذهبون في التحريض إلى إطفاء النار بالنار.
بما أن الوطن يعبر حالياً مرحلة مثقلة بالارتباك السياسي والسيولة الفكرية فالرهان على تلك الفئة المثابرة في ممارسة دورها الريادي بغية الارتقاء بالوطن من مجرد مساحة جغرافية مجتزأة إلى وعاء مشبع بالوعي والثقافة ومشدود بالانتماء.
رهان على هذا الطراز لا يأتي من الركون فقط إلى مساهمة تاريخية نضالية بل ينبع من إدراك عميق بدور الإعلام في عصر العولمة. المشهد الأكثر تأثيراً على صعيد العالم هو ذلك المشحون بطابع إعلامي يكاد الانفعال فيه وبه يتجاوز الإضاءة العقلانية إلى الاستنفار السطحي. هو مشهد يشكل الإعلام فيه الجبهة المتقدمة الأولى حيث تجري المناورة والحرب بالكلمة والصورة بل وبالأسلحة النارية كذلك.
بين هذه الجبهة المعولمة الساخنة وحالة الارتباك الوطني يجوز للمرء طرح بعض فكرة ربما من شأنها المساهمة في صياغة أبجدية إعلامية تضيف إلى ما يكتب الزملاء من داخل حقل المهنة وخارجها. لديَّ قناعة ـ ربما تكون خاطئة  ـ أن عدد الصحف الصباحية في الخرطوم أثقل من احتمال القارئ وأوسع من طاقة التوزيع.
لأسباب لا يغفلها أي مواطن فقدت دور صحافية عتيقة فرص التطور إلى مؤسسات ذات تقاليد مهنية ورؤى سياسية. الغابة الورقية الحالية لا تعين على بناء مثل هذه المؤسسات.
من دون المساس بحقوق الآخرين أو طموحاتهم الشخصية يمكن الاتفاق معاً على رؤية ميشيل فوكو تجاه الصحافي قيمة فكرية. المفكر الفرنسي يرى في كل فيلسوف صحافياً أو هكذا يطالب الفلاسفة. هذه النظرة الفلسفية الأكثر عمقاً تفضي بدون لجاجة إلى التلاقي على أهمية تجاوز مرحلة المشروعات الصغيرة إلى المؤسسات الكبيرة.
بما أن ليس كل صحف الخرطوم تصدر عن عقائد متباينة أو تفصح عن مسارات سياسية فارقة فإن عبء اللحظة التاريخية يلقي على كاهل القائمين بأمر الصحف مسؤوليات وطنية لا تغيب عن بالهم. غياب التباين
العقائدي ييسر التحالفات وبناء المظلات الواسعة. ثمة مفارقة مثيرة للأسئلة. النظام يشارك بجهد سخي في عملية التفريخ الصحافية. التجاوب مع هذا الجهد ينمو ولا يضمر. في الحالتين لا يسود الوئام الجانبين دوماً اذ تبرز نوبات التوتر بين فينة وأخرى.
هي نوبات مواقف عقلانية أحياناً ونوبات نزق غير عقلاني أحايين أخرى. حين نتحدث عن حبال سرية بين سُرات النظام والأجنة الصحافية لا نستهدف الإدانة أو التشهير بل تثبيت حقيقة لا تحتمل اللجاجة. هو حكم غير قابل للاستئناف. هذه الحبال مهددة بالتيبس بعد وقف صنبور النفط.
في تاريخنا تجارب التكاثر الصحافي في المنحنيات الديمقراطية الضيقة. تكاثر يرى فيه البعض نمواً عشوائياً أكثر مما هو ازدهار يثري الممارسات الديمقراطية. هناك من رأى فيه أثقالاً أرهق تلك المنحنيات بل ساهم في ازهاقها.
في رصيدنا منارات صحافية لم يحل تقاطع رؤى أصحابها الفردية في نهوضها. في تجاربنا القريبة محاولة يتيمة لم يكتب لها النهوض.
مع قناعة مشتركة بالحياة في عالم يتطور فيه كل صباح تداول الناس السلع والأفكار والصور من دون عقبات يكون من اليسير الاتفاق على أهمية التجميع. ما يعزز هذا الاعتقاد إدراك واع بحتمية الفناء للمؤسسات الصغيرة مقابل البقاء للكيانات الكبيرة في ظل العولمة وعند منحنى الارتباك الوطني.
هذه غايات لا تبطل الطموحات الشخصية المشروعة. ربما يكون تحقيق تلك الغايات يتطلب جرأة. الجرأة في الأصل ليست سوى استثمار الموقف أو اللحظة. بما أن البعض يخلط بين الجرأة والإثارة فإنه يوجد هامش للمراوغة بين الموضوعية والديماغوغية.
لا خلاف على حق صحافي أن يكتب ما يرى أو يؤسس ما يود. الحقل الصحافي تجاوز مرحلة التجارب والمغامرات الفردية. ربما يفيد الحقل المهني الإضافة النوعية. من المهم ان نهدي شعبنا مؤسسات تصقل مواهب، تمنح العاملين فيها فيئاً مهنياً أكثر رقياً وخصوبة وعائدات أغنى. من حق شعبنا أن يسمع منا كل صباح شيئاً أكثر جدوى للوطن. من حق كل كاتب أن يمارس ما يجعله مناضلاً. الكاتب المناضل مشروع يكتسب شرعية وألقاً وشعبية. مثل هذا المشروع يجد بيئة أفضل في ظل المؤسسات الكبيرة.
من حق كل كاتب حزبي التعبير عن حزبه وترويج أفكاره وبرامجه. بالطبع ليس لمثل هذا الكاتب أي حق في التخلي عن الوطن مقابل الانتماء للحزب. كذلك ليس لمثل هؤلاء حق اختطاف الوطن تحت جناح الحزب. في الوقت نفسه ليس لأي نظام حق التحكم في المؤسسات الصحافية إملاء أو تمويلاً. كل مؤسسة تنحني أمام إملاءات الأنظمة أو تمويلاتها تدفع ضريبة فادحة إذ عليها الخروج عن نص البرنامج الوطني إلى تأويل طموحات الشعب.
ماذا لو كانت هناك نقابتان إحداهما لمالكي الصحف والثانية للعاملين فيها؟ هذا سؤال لا يطال أخلاقيات البعض إنما يومئ إلى الامكانات المالية لديهم. هذه إيماءة واجبة مع تردد زملاء على المحابس والمعتقلات وآخرين يتنقلون بين زنازين والبعض قيد الاستجواب والعديد على قائمة التعسف.