نحن لا نعايش أزمة عابرة أو محنة فجائية بل وضعاً كارثياً مزمناً. على الأخوان المسلمين - لا المؤتمر الوطني - الإعتراف العلني بتحمل مسؤولية إقحام الشعب في النفق المظلم الراهن. هو وضع كارثي مأزوم لأنه لا يقتصر فقط على أزمة إقتصادية فادحة. هو يطال كذلك قعوداً سياسياً حد الكساح. أكثر من ذلك يقاسي الشعب بأسره إنحطاطاً أخلاقياً تتلاشى معه أبسط القيم الإجتماعية والمثل الموروثة. كذلك ضرب الهزال ملكاتنا الإبداعية في حقول الثقافة وميادين الرياضة.

أي تشخيص إبتدائي يستهدف كشف أعراض حالنا العشوائي الراهن يضع إصبعه حتما على أنيميا الشفافية إن لم يتوصل إلى الفقر الكامل في فقار وعصب الديمقراطية. الأخوان المسلمون هم من يتحمل حرماننا من مداواة أمراضتا القديمة والمستجلبة بتجريدنا من لقاحات الحرية. هم يدركون عجزهم أزاء تحمل التشافي بالشفافية إذ يرفض نهجهم تقبل الحد الأدنى من جرعات النقد. لذلك ظل نظامهم متضخماً مترهلاً بكل أمراض الفشل.

ربما نستوعب الإنقلاب الأخواني في سياق الصراع على السلطة. لكن أم خطاياهم غير المغفورة إعتقادهم الزائف أنهم رسل رشد، وحكمة لم يأتوا فقط لرفع مستوى حياة الشعب وإنقاذه من طواغيت الدين والسياسة بل لإخراجه من الضلالة والفجورإلى رحاب الإسلام باستعادة أنموذج المدينة المنورة إبان أمارة الرسول الكريم.

هذه الخطيئة الأم لم تجرفهم فقط بعيداً عن القيم السودانية بل حملتهم قصياً كذلك لجهة الإنقلاب على مقاصد الإسلام ومثله العليا. تلك الخطيئة نفسها جعلتهم يسقطوا على عجل أسرى شهوتي السلطة والثروة. كلاهما فتح أفق الدولة واسعاً أمام الإستباحة. الأخوان لم يكتفوا بإخلاء دواوين الدولة أمام منتسبيهم تحت شعار الصالح العام بل وضعوا المقرب في المكان الأقرب خارج سلم الإصطفاف الوظيفي. تلك جربرة الخليفة الثالث حيث هبط المسلمون على إثرها شعاب الفتنة الكبرى. مع التوغل السافر في الشهوتين بدأت غلالة الدين الجاذبة تنقشع بالتدرج أمام عيون العامة من الشعب. بغية الحفاظ على المكتسبات عمد النظام إلى إخراس الأصوات الناقدة ثم ضيق هامش هامش الحريات حتى خنق الخلّص من خلصائه. بدلاً عن الشورى إستنت الإنقاذ الطاعة كما إستبدلت النصح بالأمر والخيار بالتكليف.

في هذه الأجواء غير المعافاة تخلت حركة الأخوان عن مزاعمها التطهرية عندما إندفعت لتعزيز سلطانها العضود وتكديس الاموال. لم يعد أحد يهتم بالفضيلة حتى يفرز بين المال العام المستباح وعائد السوق المنهوب. لم يحدث في أي من منعطفات السودان المشوبة بالفساد إختلاط العام بالخاص على نحو ما يحدث إبان عهد الإنقاذ. ليس استفحال الفساد أو إتساع رقعته هو ما يميز الإنقاذ بل أكثر من ذلك الجرأة في الممارسة. إنه فجور جعل رجل الشارع العام يستنكرساخراً الكلام عن إقحام الدين في السياسة.

الإفتنان الشره بالمال عبر السلطان حمل حركة الأخوان على تعضيد أجهزة القمع من أجل تأمين مصادرها ومكاسبها. أجهزة الأمن نفسها لم تنج من فتنة المال فاقتحمت الأسواق وكل موارد الثراء. هكذا إختلقت مراكز القوى ما بات يعرف بالدولة الموازية. عندئذ لم يعد في الإمكان الفرز بين المسؤول والتاجر، موظف الدولة وموظف القطاع الخاص المتفرع من الدولة. كلهم سقطوا ضحايا التنافس في الإستئثار بالإمتيازات، المخصصات ومتاع الحياة العليا من البيوت الفاخرة، السيارات الفارهة وتعدد الزوجات. في ظل استشراء شهوتيّ السلطة والثروة لم يعد أخوان النظام يراعوا حرمة لشهوتيّ البطن والفرج فتجاسروا على حقوق الآخرين وأعراضهم. كما أمسوا ينهون عن المعروف....

أحد أبرز مخاوف أهل النظام من تداعيات ثورة الجماهير يتجسد في الهلع من المحاسبة. ذلك خوف لا ينبع فقط من إدراكهم بشاعة ما اقترفوا في حق الشعب، بل كذلك إحساساً منهم بقصاص قيد الإنتظار. هم لم يتناسوا أنهم أقبلوا على ممارسة السلطة بنهم ثأر مختزن تجاه كل الطيف السياسي السوداني نتيجة شعور دوني غالب بأنهم أقلية منتبذة. هو شعور أطلق غريزتهم في الإستبداد، الهيمنة، البطش والتنكيل بالمواطنين. هو الشعور نفسه وراء إحياء موروثنا الجاهلي من الفرز العنصري على الهوية القبلية، الطائفية، الجهوية والدينية.

لم تتعرض بفعل تلك السياسات الخرقاء قماشة الوحدة المجتمعية وحدها للتهتك والإهتراء بل تمزقت وحدتنا الوطنية. افقدنا الأخوان ثلث الوطن من أجل إحتفاظهم بنظام خرب فاشل تنخره دابتا الإستبداد والفساد. في حوار خاص مع غازي صلاح الدين وهو لمّا يزال داخل رواق وصف نيفاشا بأنها "أبلد إتقاق في تاريخ السودان". غير أنه حاجج على عدم المجاهرة بذلك الرأي وقتئذ في سياق الحفاظ على "وحدة الحركة الإسلامية"! غازي نفسه أصبح أحد ضحايا الحركة عندما أخذت تأكل بنيها في خضم الطغيان ضد أصوات خفيضة تنادي بقدر من العدالة وشيء من الطهارة في الحق العام وكبح قليلاً من سطوة القمع والعدوان.

ثالثة الأثافي عدم قدرة الأخوان على الخروج عن نظام السرية في العمل السياسي. هذه الآفة جعلت كل مؤسسات الدولة هياكل من ورق عاجزة عن النهوض بأدوارها. هناك دوماً قلة تستفرد بعجلة القرار وتستأثر باتخاذ القرار. هي قلة غير محدة العدد أو واضحة القسمات. تتمدى وتنحسر وفقاً لصراعات بينية غير مرئية حتى للمقربين، فلا تكاد يجزم أحدهم عند كل منعطف ما إذا القابض على زمام السلطة فرد أو جماعة. أما إعلام النظام فيصدق عليه قول أنديرا غاندي في توصيف السينما الهندية "أفلامنا لا تعبر عن واقعنا".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.