نحن السودانيين نستحق أفضل مما نحن نكايد. لدينا وطن بالإمكانات عامر وشعب بالقدرات زاخر. نحن لسنا أقل من شعبي رواندا أو إثيوبيا. كلاهما حققا قفزة نوعية فارقة بمعاييرعالمية في ميادين التنمية في غضون قترة زمانية وجيزة. رواندا تأهبت للبناء بعد مجازر عنيفة ساحقة. إثيوبيا شمّرت من أجل الإنجاز بعد مجاعة فظيعة ماحقة. لا شيء ينقصنا غير قيادة رشيدة تخرجنا من محنتنا الظالمة طويلة الأمد.
من فرط قعودنا لم نعد نحلم بأكثر من وطن يتوفر فيه الخبز. أجلنا كل أحلامنا الجميلة فلم يعد يشغل بالنا حلم كارل ماركس بحياة يجد فيها الإنسان خبزاً وورداً. غير أن شبابنا لم يبلغ من اليأس ما يجعله يتخلى عن الحد الأدنى من الحياة المستحقة. الحراك العارم في المدن غايته الآنية دولة تهيء وطناً يصلح العيش فيه ضمن أسرة دونما معاناة في إنتاج أبناء وحقهم في التعلم والتطبب.
أم أزمات النظام القابض على الوطن تكمن في عجزه الفادح ازاء تحقيق أي من وعوده الكاذبة في شأن إصلاح وشيك. قي غياب الإنتاج داخل مجتمع مثقل بالأزمات العميقة يصبح الحديث عن علاقات الإنتاج هراء محض فاضح. نحن لم نعد فقط مجتمعاً متخلفاً بل أضحت سبل كسب العيش عندنا خارج العصر. عندما نقيس الوضع المتردي بمعايير تزامن الزمن التكنولوجي تصبح المسألة فضيحة بلغاء. مع أن الغلبية الأعظم من الشباب ممن هم في طور قوى الإنتاج الفاعلة يتملكون أدوات العصر غير أنهم لا يجدون داخل الوطن من يبتاع قوة عملهم.
مفكرون، مثقفون وساسة أهرقوا أنهراً من الكلام عن حتمية تغيير جذري في عقلية إدارة الأزمة المستفحلة مع التوغل في زمن الأنقاذ. كثر الكلام درجة التكرار الممل عن ضرورة إحداث إصلاحات منهجية في هياكل الدولة السياسية والإقتصادية. عند كل منعطف حاد تلوح وعود بالإستجابة ثم يسقط النظام في مغامرة إعادة إنتاج االهياكل المهترئة والكوادرالقعيدة. كل الوجوه القديمة والجديدة في واجهات العمل العام مثل حكومة إيلا ليس بينها فحل فطحول واحد في أي مجال، دع عنك حقل وزارته! إذاً عن أي كفاءات تتحدثون!
معالجة الأزمة لم تعد تستدعي فقط إستبدال القيادات، السياسات وبنى الدولة المنهارة يل هي تقتضي تغيير الدولة برمتها. الحاجة أصبحت أكثر إلحاحاً من أجل إعداد برنامج عمل يعبر مرحلة اليأس إلى آفاق الأمل، أمراض الإنفلات البيروقراطي، إعادة الهيكلة وتوزيع السلطات بالإضافة إلى تعزيز سيادة القانون، حقوق الإنسان والشفاقية. هذه الأزمة الضاغطة على عصب الشعب والنظام تهدد بإنفجار فوضى تلتهم ما تبقى من الأخضر وكل اليابس. من لايتعلم من الماضي والحاضر يعيشهما في المستقبل؛ هكذا تحدث المفكر الأميركي جورج سانتيانا.
كما أننا لسنا أقل من االروانديين أو الإثيوبيين فلسنا كذلك أقل من الشعب الجزائري. ربما لا نختلف مع تشرشل عندما رأى فينا مزيجا عربيا زنجيا لكنا حتما لا نسايره في رؤيته حتى نهايتها. ربما يغفر له قسوته علينا في التوصيف ثناؤه بقوله إننا أكثر ذكاء من العنصرين. غضبنا تجاه النظام المتحكّم في رقابنا أكبر من غضب الجزائريين على النظام الحاكم عندهم. لكن مواكب إحتجاجاتهم تفوق تظاهراتنا كثافة إمتداداً وزمناً. الجماهير الجزائرية تتظاهر تحت عيون الشرطة لا تحت هرواتهم. أجهزة الأمن هناك لا تمارس البطش البربري الممارس علينا. السلطات الجزائرية لا تسمح للأوباش بالتعدي على حرمات المنازل والنساء. الذين يحاججون بتفوق اتساع مساحات تظاهرات المعارضة الجزائرية على السودانية إستناداً لتلك الكثافة يتجاهلون تلك الحقائق.
لكن أهم من ذلك تجاهلهم وجود نقابات جزائرية تتمتع بقواها واستقلاليتها بينما عمد نظام الإنقاذ إلى تفريغ نقاباتنا من مضامينها في الدفاع عن حقوق منتسبيها فحولها إلى مظلات حماية للنظام. بغية تحقيق تلك الغاية لم يكتف النظام بتشريد كوادرها المتفانية في أداء وظائفها بل إستبدلهم بكوادر موالية مارست الترهيب والترغيب على قواعدها. من ثم فقدت النقابات دورها التاريخي في الحركة السياسية .
منهج التشريد والمطاردة من قبل النظام استفحل حتى طال حلفاءه بل لم ينج منه بعض أركانه في سياق لعبة صراع مراكز القوى. سيرة النظام تتوغل في الدكتاتورية. كل الإجراءات السياسية لا تتخذ ضمن الهياكل الخربة المعطلة.
حق المعارضة في التظاهر ليس إمتناناً من أحد أو من النظام. ذلك حق سياسي مشروع انتزعته الجماهير بحناجرها وأسنانها. الكلام عن الإستعداد عن محاورة المعارضة لا يخرج عن محاولات بائسة لتجميل النظام. المعارضة ليس لها فقط حق التعبيرعن تطلعاتها الوطنية. هي تدخل طرفاً في الحوار عندما تقتنع بأن تلك خطوة تؤمن لها ممارسة حقوقها المشروعة في المشاركة في إدارة شؤون الوطن. نحن لم نعبر كما الروانديين تجربة المجازر الماحقة أو الأثيوببيين تحربة المجاعة الساحقة. فقط تحكم فينا نظام ظالم عاجز دمر بنانا التحتية، بدد ثرواتنا وأهدر فرصنا التاريخية. الجماهير السودانية كما الجزائرية تريد صوغ نظامها المستقبلي بالأصالة ليس بالوكالة. بالعقل الجمعي ليس بالهوى الفردي. الشريحة الحاكمة هناك تتجاوب مع الشارع والنخب المعارضة لجهة تغيير النظام. حتى الرئيس يخضع للإرادة الغالبة، يتمنع لايمانع. رصيدنا الوطني ليس أقل زهواً مما لدى شعب المليون شهيد.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.