الخروج من الأزمة الوطنية االمزمنة لن يتأتى في غياب الإعتراف المتبادل بسقوط النظام والمعارضة في إخفاق مستحكم ، كل في معسكره . من شأن مثل هذا الإعتراف إختزال جهد الخروج وزمنه . النظام يعتاش من ضعف المعارضة . هي بدورها تستثمر في فشل النظام الدءوب لجهة تصفيتها . العنت يثقل كاهل الشعب تحت عبء الإخفاق المزدوج .

إذا أراد الشعب الحياة فعليه الثورة داخل معسكر المعارضة أولاً قبل الخروج على درب إطاحة النظام .جميع التحالفات المعارضة المبناة منذ طيب الذكر ، التجمع الديمقراطي إلى نداء السودان اخفقت في إنقاذ الوطن من الإنقاذ . كلها مظلات فوقية من ورق تآكلت تحت وطأة عوامل تعرية داخلية يبرأ منها الزمن .

بقناعة من رؤية فرانسيس فوكوياما بحتمية نهاية النظام الإيراني فان الإنقاذ إلى زوال لامحالة . تلك قناعة مستمدة من تماثل النظامين في البنى ، الرؤى، كما في السياسات . كلاهما ثيوقراطي إستبدادي إقصائي أحادي قامع . صاحب نظرة " نهاية التاريخ " تنبأ بتفكك النظام الإيراني تحت وطأة عوامل تعرية جيو سياسية داخلية ذاتية الصنع .

أيما نظرة خاطفة على مقياس زلزال فوكوياما تشي بتطابق معاييره على حالة الإنقاذ . النظام السوداني كما الإيراني يعايش ضغوطاً داخلية تجعل تفككه من الداخل مسألة حتمية . فوكوياما يبني فرضية إنفجار النظام الإيراني على عناصر تتفاعل داخله . من ابرزها تآكل البنى التحتية المتهالكة ، تكدس البطالة ، إستفحال البؤس ، تفشي الأوبئة . في المقابل يتخندق النظام في العجز . على مقياس فوكوياما نقرأ كذلك إنقسام داخل معسكر النظام بين رادكاليين ومعتدلين. في موازاة الإنقسام تتسع قاعدة الشباب المتعمين الرافضين من الجنسين التقارب مع النظام .

إذا صدقت فرضية الفيلسوف الأميركي في شأن إيران فلن تخفق في حالة السودان . لكن تلك الحقيقة لا تمنح المعارضة هامش الذهاب في رحلة إستجمام علَ جثة النظام تأتي إليها طافية عند شلال السبلوقة .عوضاً عن تلك الهياكل الفوقية المعارضة مطالبة ببناء جبهة عريضة على أسس راسخة ذات قيادة خلاقة ثاقبة النظر ترفض مساومة النظام ، تسمو عن الإغراءات تصادم الضغوط . لكن أكثر أهمية من ذلك تسلح القيادة برؤى تنأى بها بعيداً عن الإقصاء والتشرذم.

حركة الرأي العام تزخر بوجوه شبابية متناثرة ، نساء جسورات وأقلام حفرت هامشاَ ديمقراطيا أعمق مما أنجزت أحزاب . لكن الحراك المعارض لم ينج في مجمله من أمراض الطفولة السياسية الغارسة أنيابها في جسم الحركة الوطنية منذ نشأتها . تلك العلة نهشت الأحزاب حتى إبان مواسم الديمقراطية الثلاثة فبلتها بالإنقسام والتشطير .

التماثل السوداني الإيراني يتجاوز النظامين إلى االحراك المعارض .
كما شهدت الخرطوم ومدن عدة هبتين شبابيتين عامي 2013 ، 21017 ماجت طهران ومناطق حضرية اخرى باحتجاجات عارمة في العام 2009 بالإضافة إلى السنة الأخيرة .الضائقة الإقتصادية تشكل عنصرا مشتركاً في دوافع الإحتجاجات.

ربماساهم صراع الأجنحة داخل النظام في تظاهرات طهران في 2009 . الإحباط أجج احتجاجات الجانبين في 2017 . وعود النظام السوداني بتفريج الأزمة الإقتصادية عقب رفع الحظر الأميركي ذهبت أدراج الرياح . ذلك هو مصير وعود النظام الإيراني بحياة أفضل بعد توقيع الإتفاق النووي .

في إيران كسر المتظاهرون تابوهات للنظام مما أقلق أقطابه .

الإحتجاجات إنطلقت من مشهد ، مهد المرشد ، المتظاهرون لم يكتفوا بحرق صوره بل نادوا بإسقاطه . ذلك هتك فاضح للدستور كما هو خرق لقدسية الفقيه العادل العالم بامور زمانه .

في الخرطوم فاجأت الجماهير النظام باستجابة عريضة لنداء الشيوعيين بالخروج إلى الشارع وممارسة الإحتجاج السلمي . هنا النظام هو من خرق قواعد اللعبة . بدلاً عن الحفاظ على سلمية التظاهرات لجأ النظام إلى العنف فطارد المحتجين بالهروات ،بالغازات بل بالإعتقال. لو أن قرآة التاريخ من إهتمام أركان النظام لأهتدت السلطات بنهج عبد الناصر أتجاه تظاهرات الطلاب في العام 1968 .وقتئذٍ تظاهر الطلاب في حراسة الشرطة دون إعتداء طرف على الآخر . كلا الطرفين تفاخرا بادائهما .

التشابه السوداني الإيراني يمضي أبعد من ذلك . الهبات الأربع إنتهت إلى إخفاق . حصيلة الأولى في الحالتين ربما أفضل من تاليتيهما تأثيراً .

من أبرز عناصر الفشل عدم نجاح القيادات الشبابية في تحريك الطبقة السياسية التقليدية لجهة الشارع العام . كذلك الإخفاق في تأطير الحراك الجماهيري داخل بوتقة سياسية .غيرأن عامل الإخفاق الأكبر يتجسد في مواجهة منظومة قمع عاتية بصدر وظهر عاريين . هذا عامل يظل يشكل عقبة كأداء امام تحويل الحراك الجماهيري إلى حركة ثورية متكاملة .

ذلك أحد أبرز التحديات الشاخصة أمام قيادة التحالف المرتجاة .تلك القبادة المتسمة بالإبتكار والمصادمة كما الثبات على القيم والمبادئ .

تثوير الحراك لن يتم بالإعتماد على الطلق الذاتي . مراكمة الفعل تتطلب صبراً مكلفا بغية تحويل الحراك إلى حركة ثورية . في هذه الأثناء لابد من الإعتماد على خيال القيادة الخلاق من أجل بناء ظهير عسكري للحراك أو إبتداع آلية تعضد الجهد الجماهيري لجهة تفكيك النظام القمعي . الإتكاء على تجربتي أكتوبر وأبريل لن يصنع مجداً جديداً. ماكينة القمع المكرسة من قبل النظام متأهبة للمضي حتى النفس الأخير في سبيل حماية النظام . كما في إيران فهي آلية قمع مؤدلجة .

الحركة الإسلامية نجحت في تجاوز تلك العقبة عند إصدامها في وضع شبيه بالنظلم المايوي إذ لجأت إلى تسلق النظام من الداخل . ليس مطلوبا حاليا إعادة السيناريو نفسه إنما النسج على منوال الإبتكار.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.