حواشٍ على متون الوطن


سليمان خاطر [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
المتابع للحياة السودانية العامة في مشهده السياسي والاجتماعي والفكري يلاحظ ظاهرة غريبة نكاد ننفرد بها عن العالم أجمع، وهي ظاهرة التشرذم والتشتت والتفتت والانقسام في مكوناته السياسية والفكرية والاجتماعية وحتى الدينية، وهي ظاهرة عامة قديمة متجددة شملت جميع التوجهات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بما لا نجد له مثيلا في أي بلد ولا عند أي شعب في العالم، فما من حزب سياسي ولا جماعة فكرية ولا طائفة دينية إلا وتجد في تاريخه وحاضره انقساما بل عدة انقسامات، فما أسباب هذه الظاهرة الغريبة ؟ ومن وراءها ؟ وكيف نقضي عليها حتى نبني مجتمعا مستقرا وحياة هادئة ونؤسس لحكم راشد؟ علما بأنه لا استقرار في حياتنا السياسية ولا تقدم ولا ازدهار ولا نماء إلا بالقضاء التام على مثل هذه الظواهر الكريهة التي تميزنا بها عن الناس أجمعين .
إذا نظرنا في تاريخ السودان السياسي وجدنا الحزب الاتحادي شهد عدة انقسامات من حزب الأشقاء إلى الوطني الاتحادي والاتحادي الديمقراطي، وهذا الأخير انقسم إلى أصل وفرع ومسجل وغير مسجل إلى آخر ما لا يحصيه إلا متفرغ لهذا الشأن. وليس حزب الأمة بأحسن من هذا، فقد انقسم إلى حزب الأمة وكيان الأنصار، وحزب الأمة الإسلامي ثم الإصلاح والتجديد، وحزب الأمة الفيدرالي، ثم القيادة الجماعية إلى آخر ما لا يحصيه إلا باحث متخصص في هذا الحزب وتاريخه. والأحزاب اليسارية ودعاة القومية العربية والأحزاب الإقليمية والحركات العقدية الإسلامية وغيرها ليست بأحسن حالا ولا أقل انقساما من سابقاتها، فكم حركة إسلامية وكم حركة يسارية وكم جماعة إخوان مسلمين اليوم في الساحة السياسية السودانية ؟
انظر إلى الجماعات الدينية الدعوية البحتة التي قد تمارس السياسة وتلجأ إليها أحيانا للحصول على مكاسب، تجد أن أكثر الجماعات والطرق الصوفية لم تنج من الانقسام والتشتت؛ فبعد موت كل شيخ لطريقة غالبا ما تجد أتباعه وأبناءه وورثته قد انقسموا أشتاتا وتفرقوا جماعات. والجماعات السلفية كانت جماعة واحدة واليوم عدة جماعات في صور شتى من جماعة أو حزب أو جمعية أو منظمة يصف بعضها بعضا بما يعف اللسان عن ذكره ويقول كل في أخيه ما لم يقله مالك في الخمر.
والحركة الشعبية في الجنوب شهدت وما تزال تشهد انقسامات في صفوفها مع عودة إليها أحيانا ثم انقسام من جديد. أما الانقسام والتشرذم والتفرق في صفوف الحركات المسلحة في دارفور والشرق فحدث عن البحر ولا حرج من حركات حقيقية لها قياداتها ومبادئها وقواتها على الأرض إلى حركات وهمية هي مجرد أسماء بلا مسميات، إلى حركات عبارة عن شخص أو أشخاص يعدون على أصابع اليدين إن لم تكف أصابع اليد الواحدة، بلا مبدأ ولا هدف ولا برنامج إلا مطامع النفس الأمارة بالسوء في اللهث وراء متاع الدنيا الفانية وإن أدى ذلك إلى هلاك الحرث والنسل والقضاء على أخضر الوطن ويابسه وقتل الأهل وتشريدهم . والله المستعان.
الغريب في الأمر أن كل حزب أو طائفة أو جماعة انقسمت تجعل ألد أعدائها جماعتها السابقة؛ فيبدأ التراشق بالكلمات وبالأيدي والأسلحة الأخرى أحيانا بين الجماعات التي كانت جماعة واحدة، فالهم الأول لكل مجموعة هو القضاء على المجموعات الأخرى التي تشذت منها بكل ما تستطيع من إشاعات وتصريحات وتصريحات مضادة وهجوم ودفاع وأخذ ورد، وهكذا في حرب داحس وغبراء لا يعلم مداها إلا الله؛ مما يهدر الأوقات الثمينة والأموال السمينة والجهود الوطنية الكبيرة في لا شيء؛ فلا تحاور ولا تفاهم ولا حد أدنى من القيم الإنسانية والوطنية المشتركة، فهل تجد عداء اليوم أشد استحكاما من العداء بين شقي الحركة الإسلامية سابقا وطرفي الحكومة الحالية قديما المؤتمر الشعبي والوطني ؟ ألا ترى كلا منهما على استعداد للدخول في حوار مع الشيطان نفسه في سبيل القضاء على الطرف الآخر الذي لا كلام معه أبدا ؟ ومثل ذلك قل عن المنقسمين الآخرين من كل جماعة أو حزب أو حركة أو طائفة ،وأنت صادق مصدق بشهود الواقع المشاهد .
لا ينكر أحد أن الخلاف ظاهرة إنسانية كونية موجودة في كل زمان ومكان، فقد حدث الانقسام في كثير من الجماعات على امتداد التاريخ البشري وإلى اليوم في جميع دول العالم وأحزابه ولكن لا أعلم أن شيئا من ذلك بلغ ما يحدث في السودان خاصة في السنوات الأخيرة، من اتباع الهوى وحب الزعامة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ثم التقاتل والتراشق والتنازع والتخاصم على كل صغيرة وكبيرة مما قعد بالبلد وأضر به أيما إضرار؛ إذ أحدث شرخات نفسية عميقة في وجدان الوطن الواحد ونفس المواطن المسكين المذهول من كل ما يحدث دون أن يعرف أدنى مبرر معقول لذلك، حتى لتكاد آيات المنافق عند أكثر القيادات السياسية والسياسيين عموما في السودان تصل إلى ما يزيد على ثلاثين علامة بعد أن كانت ثلاثا أو أربعا في الحديث الشريف، وإلى الله وحده المشتكى مما يحدث في هذا الوطن العزيز.
بعض الناس يرجع أسباب ظاهرة الانقسامات الخطيرة في الحياة السودانية العامة إلى التطورات الإعلامية والتقنية بمعنى أن الظاهرة كانت موجودة ومتأصلة في نفوس أهل السودان عموما دون سائر أهل الأرض، كالطيبة الزائدة والتكاتف الاجتماعي الرائع والترابط القوي المذهل للآخرين والأمانة الشخصية وغيرها من كريم الخصال وطيب الصفات التي عرف بها الشخصية السودانية في كل زمان ومكان، في المقابل، ولكن الصفة الجماعية السيئة هذه لم تكن تجد متنفسا للتعبير عن نفسها فيما مضى إلى أن ظهرت التطورات التقنية الهائلة ووسائل الإعلام الجديدة المتكاثرة فخرجت للعيان بكل بشاعتها المنكرة الكريهة المخجلة أمام العالم كله !
وقد يرجع بعضهم الأسباب إلى الدكتاتورية الطاغية في إدارة المؤسسات الحزبية والجماعات السياسية وغيرها والاستئثار بالقرار والتحكم والهيمنة الكاملة على جميع الشؤون وسوق الناس إلى مصائرهم كأنهم قطيع من الأغنام وسيادة المنطق الفرعوني المتمثل في (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) وتوارث القيادة في الأسرة الواحدة وعدم إتاحة الفرص للطاقات الشابة والكوادر المؤهلة، ونحو ذلك مما تعني محصلته النهائية البقاء في الإدارة إلى الموت والتحكم في القيادة والتربص بها مدى الدهر.
وهنالك من يرجعها لنظرية المؤامرة؛ فالحزب الحاكم منذ ما يزيد على عشرين عاما وضعت ضمن إستراتيجيتها الشاملة للحكم الأبدي وخطتها العامة للبقاء في السلطة إلى ما نهاية مخططا تآمريا لتقسيم الأحزاب والجماعات السودانية ثم تقسيم المقسم نفسه مرة أخرى ثم إعادة تقسيم ما هو مقسم أصلا وهكذا دواليك من باب ( فرق تسد) وقد استخدمت في ذلك جميع إمكانات الدولة المادية والمعنوية، فأغرت المتطلعين إلى الزعامة والراغبين في الثراء السريع وضعاف النفوس ومهزوزي الولاء من كل حزب أو طائفة أو جماعة بما عندها من قوة السلطة والوظائف السياسية والإدارية وأموال الدولة في ظل الأوضاع الاقتصادية المعروفة وكذلك الإرهاب والترهيب، فكان ما كان ! وإن كان هذا الرأي لا يخلو من وجاهة فيبقى السؤال: من أين للحزب الحاكم الذي لم ينج هو نفسه من انقسامات سابقة ظاهرة وأخرى خفية مستترة جوازا تكاد تظهر للعيان على مستوى قياداته في المركز والولايات، من أين لهذا الحزب كل تلك الوظائف والأموال التي تغري بها كل هذا العدد الكبير من المنقسمين على أحزابهم وجماعاتهم ؟ ثم أين التمسك بالأخلاق والمبادئ الراسخة ؟  ولماذا يستجيب كل هذا العدد الكبير من جميع الأحزاب والجماعات لهذه الإغراءان دون أدنى مراعاة للمصلحة العامة للوطن ؟
الأمر عندي يحتاج إلى دراسة وتحليل وتقويم من المتخصصين في العلوم السياسية وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ وغيرها من المعارف الإنسانية التي ينبغي أن تتكاتف جميعا لتقدم لنا تفسيرا علميا مقبولا لهذه الظاهرة السودانية الغريبة مع تقديم الحلول الممكنة للخروج منها والقضاء على آثارها في حياتنا العامة؛ لأننا أمة واحدة وشعب واحد يكاد يكون متجانسا في كل شيء خاصة بعد انفصال الجنوب عن الشمال؛ فكل وداعي التوحد والاستقرار والاصطفاف لبناء الوطن على أسس متينة سليمة أصبحت متوافرة بأكثر مما كان سابقا، والدين والعقل والواقع كلها تدعونا توحيد الصفوف من أجل حياة كريمة في دولة قوية ووطن شامخ يسع الجميع يبنيه الجميع ويعيش فيه الجميع، ولا سبيل إلى شيء من ذلك إلا بالإخلاص والعزيمة والتمسك بالمبادئ والمصلحة العامة والالتزام بالشفافية والتحاور والاعتراف بالآخر والحرص على حقوقه الوطنية وإدارة المؤسسات الحزبية والجماعات بالشورى والمرونة وقبول الرأي والرأي الآخر حتى لا يبحث عن منبر آخر يعبر فيه عن نفسه. والله الموفق.
عناوين جانبية :
1-    المتابع للحياة السودانية العامة في مشهده السياسي والاجتماعي والفكري يلاحظ ظاهرة غريبة نكاد ننفرد بها عن العالم أجمع، وهي ظاهرة التشرذم والتشتت والتفتت والانقسام في مكوناته السياسية والفكرية والاجتماعية وحتى الدينية .
2-    كل حزب أو طائفة أو جماعة انقسمت تجعل ألد أعدائها جماعتها السابقة؛ فيبدأ التراشق بالكلمات وبالأيدي والأسلحة الأخرى أحيانا بين الجماعات التي كانت جماعة واحدة، فالهم الأول والهدف الأكبر لكل مجموعة هو القضاء على المجموعات الأخرى التي تشذت منها بكل ما تستطيع من إشاعات وتصريحات وتصريحات مضادة وهجوم ودفاع وأخذ ورد، وهكذا في حرب داحس وغبراء لا يعلم مداها إلا الله .
3-    هل تجد اليوم عداء أشد استحكاما من العداء بين شقي الحركة الإسلامية سابقا وطرفي الحكومة الحالية قديما المؤتمر الشعبي والوطني ؟ ألا ترى كلا منهما على استعداد للدخول في حوار مع الشيطان نفسه في سبيل القضاء على الطرف الآخر الذي لا كلام معه أبدا ؟ .
4-    لا ينكر أحد أن الخلاف ظاهرة إنسانية كونية موجودة في كل زمان ومكان، فقد حدث الانقسام في كثير من الجماعات على امتداد التاريخ البشري وإلى اليوم في جميع دول العالم وأحزابه ولكن لا أعلم أن شيئا من ذلك بلغ ما يحدث في السودان خاصة في السنوات الأخيرة.
5-    الأمر عندي يحتاج إلى دراسة وتحليل وتقويم من المتخصصين في العلوم السياسية وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ وغيرها من المعارف الإنسانية التي ينبغي أن تتكاتف جميعا لتقدم لنا تفسيرا علميا مقبولا لهذه الظاهرة السودانية الغريبة مع تقديم الحلول الممكنة للخروج منها والقضاء على آثارها في حياتنا العامة.
6-    لا مناص من إدارة المؤسسات الحزبية والجماعات السياسية بالشورى والمرونة وقبول الرأي والرأي الآخر حتى لا يبحث عن منبر آخر يعبر فيه عن نفسه.
7-     وقد يرجع بعضهم الأسباب إلى الدكتاتورية الطاغية في إدارة المؤسسات الحزبية والجماعات السياسية وغيرها والاستئثار بالقرار والتحكم والهيمنة الكاملة على جميع الشؤون وسوق الناس إلى مصائرهم كأنهم قطيع من الأغنام وسيادة المنطق الفرعوني المتمثل في (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)