إطلعت على مقال الأستاذ عادل الباز الموسوم ( السودان وفجر الاوديسا ) ، الذي كال فيه الثناء لوزارة الخارجية على إدارتها الناجحة لملف الأزمة الليبية ببعديه الأمني والدبلوماسي .
نقاط عديدة أثارت دهشتي بذكرها في المقال أو التغافل عنها ،أحاول إيجازها فيما يلي :
* النقطة الأهم في المقال قول الباز: " كان موقف السودان مجازفة كبرى حين أختار الوقوف مع الشغب الليبي ودفع بإجماع أغلب الدول العربية ألخ ... " . وحقيقة لست أدري متى كان إدراك المعلوم بالضرورة يعتبر نجاحا أتى على جناح مجازفة كبرى ، أن أي متابع عادي للأحداث الجارية في ليبيا وحجم الإنتفاضة الشعبية قبل قرار حظر الطيران ، كان يدرك وبكل سهولة أن القذافي لايمكنه إرجاع عقارب الساعة للوراء ، فالرجل كان قد أزهق آلاف الأنفس البريئة وتوعد البقية بالمقولة التي سارت بذكرها الركبان ( بيت بيت ، دار دار ، زنقة زنقة ) ، وبالتالي صار بينه وبين شعبه والمجتمع الدولي و الشرعية أنهارا من الدماء يستحيل جسرها على الإطلاق . إذاً المجازفة الكبرى بل قل الإنتحار السياسي هو أي محاولة لدعم نظام العقيد أو حتى مجرد التردد في إدانته .
* النقطة الثانية : ومع ذلك يقول الباز: " السودان مع آخرين قاد حملة الضغط على بعض الدول العربية التي أبدت تحفظها على القرار فأقنع الجزائر وموريتانيا ألخ ..."
وإن أنسى لا أنسى يوم إتخاذ القرار من الجامعة العربية حيث كنت مسمراً أمام التلفاز أتابع جميع الفضائيات الإخبارية ، ولا زلت أذكر جيداً تلك الغصة التي أصابتني عندما أوردت قناة الجزيرة تسربيات عاجلة قبل التصويت تفيد بأن السودان مع الدول التي ذكرها الباز هي التي تعرقل صدور القرار بالإجماع ،قبل أن تسحب الجزيرة إسم السودان وتبقي على سوريا والجزائر، ولعل قليل من الجهد الذهني يوضح أن السودان هو الذي تم إقناعه بحتمية القرار وليس العكس.
* النقطة الثالثة : يقول الباز: " بعد نحو أسبوع من زيارة عطا لقطرأذاعت الصحف الأميريكية نبأ موافقة السودان على فتح أجوائه لطائرات عملية الأوديسا "
ولعل الباز يعلم كما يعلم الكثيرون – والمسألة لا تحتاج لخبير عسكري – أن طائرات التحالف ومن بعدها حلف الناتو تنطلق إما من جزر متوسطية تتبع لدول الحلف مثل جزيرة صقلية أو من حاملات الطائرات التي يعج بها البحر المتوسط ، وهي مناطق تقع مباشرة في مواجهة السواحل الليبية ، إذاً الطائرات الوحيدة التي تحتاج لمجالنا الجوي هي القطرية والأماراتية وهي طائرات مشاركتها أقرب ما تكون معنوية لتخفبف الحساسية العالية التي تتمتع بها عمليات الناتو في الأوساط العربية. ولعل من نافلة القول أن الضربات الجوية الإسرائيلية المتكررة على شرقنا المكلوم أكدت على أن أجوائنا لا تفتح ( بفتح التاء ) بل تفتح ( بضمها ) ، ولاشماتة في الوطن كما قال الكبير فيصل محمد صالح.   
* النقطة الأخيرة : يقول الباز" الملاحظة أن إدارة الأزمة الليبية على مستوى الملفين الأمني والدبلوماسي تميزت بالإنضباط"  ، وبعد أن نضع خطين عل كلمة الإنضباط نحيل الباز لتصريحات الناطق الرسمي للخارجية خالد موسى ، ولست أدري إن كان الرجل بهذه الصفة التي يحملها يمثل الخارجية أم إتحاد فن الغناء الشعبي ، فقد صرح بضلوع متمردي دارفور في أحداث ليبيا وذلك بقتالهم إلى جانب العقيد كمرتزقة ، وهنا يبرز سؤلان ، أولهما عن رأي الباز في هذا الأسلوب الإنتهاري في النيل من الحركات الدارفورية المتمردة . والثاني عن شكل " الإنضباط" الذي ينصح به الباز ثوار ليبيا كي يتمكنوا من التفريق بين متمردي دارفور وبقية أخوانهم السودانيين.      

mohd omar [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]