في يوم  الحزن  العالمي على أرواح موتانا

30  يونيو 2011

خلال 22 عاما قبور بلا موتى وموتى بلا قبور

يكتبها الميت الحي: بدرالدين حسن علي

أرجو أولا أن يفهمني القراء جيدا ، فأنا لا أكتب  مقالا حزينا أو مسرحية تراجيدية ولا أملأ الدنيا   صراخا وعويلا ودموعا و" مخاخيت " ، فالمعروف عني أني أحب الضحك بل أكاد " أموت " من الضحك وأحب " الهظار" جدا وأكره الحزن والألم ودائما ما أعتبرالتصريحات السياسية لكبار المسؤولين- ودي تحتها خطين – نوع من "  البلادة والهظار السوداني البايخ "  ، لذا أنا أكتب عن صحاب لي تعز علي مفارقتهم وأكتب في حضرة غيابهم ، فإن لم يرد ذكر أحد الغائبين فلأني لم أتشرف بمعرفته .
في 30 يونيو 2011 تحتفل حكومة المؤتمر الوطني  بمرور 22 عاما على الإنقلاب ، ولكنا للأسف الشديد والمبكي والمحزن الغاضب  المتمرد  لن نستطيع فعل شيء سوى إجترار شريط الذكريات والسماح غصبا عنا لبعض الدموع على أموات بلا قبور وقبور بلا  موتى ، ،  الأولى تعني أولئك الذين جرى  إعدامهم ولم يحاط ذويهم بمكان قبورهم  حتى اليوم ،  والثانية تعني أولئك الذين قبروا وهم أحياء وكلهم في ضمير الشعب سواء ،  نتكوم برمتنا داخل بيوتنا وشققنا نندب – كالعادة – حظ السودان العاثر ، ونترحم على موتانا ونتذكر تلك الوجوه العظيمة الرائعة التي فارقتنا خلال الأثنين وعشرين عاما التي مضت ،  إما بسبب الإغتيال والقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد أو بسبب تأثير التعذيب والقهر والظلم والأسى والحزن الشديد والمرض والفقروالإختلاف في الرأي وإرادة الله .
ولا نملك إلا أن نتساءل : هل الناس الذين سيأتون بعد مائة عام سيذكرونا أم ينسونا ؟
هذا السؤال الذي  فجره كاتبنا العظيم ومعلمنا أنطون تشيخوف في مسرحيته الشهيرة " الشقيقات الثلاث " ، وكأنه كان يتنبأ بالمستقبل ويخاف الأيام التي قد تعبث بذاكرة الناس فلا يعودوا يتذكرون مبدعيهم وصانعي تراثهم .
ولكي لا تتحقق نبوءة تشيخوف هآنذا كواحد من تلامذته أكتب مقالي هذا عن من فارقنا ، سيتساءل البعض ويقولون – الود ده مالو ؟ أيه البخليهو يجيب سيرة الموت ؟
واقول لكم وأصدقكم القول أنني قضيت الأيام السبعة الماضية أزحف نحو الموت ببطء شديد وربما على عجلة من أمري لا أدري ، فالموت حق والحياة باطلة – ها ها ها ها – ومن الممكن القول أن الحياة حلوة والموت كريه – برضو ها ها ها ها – خلال هذه الأيام السبعة نازعتني بعض الأفكار القاتمة والوساوس الشريرة عندما سمحت لنفسي أن أسرح وراء فكرة الموت فاستحضرت أسماء أصدقائي و أهلي وأقاربي ومعارفي الذين رحلوا بضجة أو دون ضجة ، وجدت أنه خلال هذه الفترة فارقنا الصديق العزيز جرجس القس بسطس – وتساءلت لماذا جرى إعدامه في ليلة الكريسماس ؟  والشاب الوسيم الجميل مجدي محجوب محمداحمد – وتساءلت أيضا  لماذا  أعدم  في نفس يوم الذكرى ال 34 على إلإستقلال عام 1955 ؟  والظريف أركانو داقاو و " المريود " : علي بشير ؟  رحل الطبيب الذي كان يعالجني د. علي فضل وتلك قمة مأساتي !!!!
وتذكرت ال 28 ضابطا الذين  أعدموهم في 28 رمضان أو أبريل 1990 وتساءلت لماذا تم إعدامهم قبيل عيد الفطر بيومين ؟  ولماذا أصلا يعدم من قام بمحاولة إنقلابية والحكومة الحالية جاءت عن طريق إنقلاب عسكري ؟ طبعا سؤال بايخ أليس كذلك ؟  – وتاني ها ها ها ها .  إنه يوم الحزن العالمي على أرواح موتانا . 
حقيقة أنا حزين عليهم جدا لأنني أعرفهم فردا فردا ، واعرف سيرتهم الذاتية رغم الفرق الشاسع بين تخصصي وتخصصهم ، وهل أستطيع أن أنسى : معاوية يس – مصطفى عوض خوجلي – محمد عبدالعزيز – خالد الزين علي نمر – ومحمد احمد قاسم ؟
صراحة لا أستطيع ،  إنهم محفورون في القلب ويجلسون في رموش العين ، عثمان إدريس صالح بلول –و الكدرو- حسين عبد القادر ،  والكرارين : محمد عثمان حامد وعبد المنعم حسن علي ، وإن نسيت هل أنسى تاج الدين فتح الرحمن وبشير مصطفى البشير ، وعصمت ميرغني طه ؟ هل أنسى : عصام أبوالقاسم وأسامة الزين وصلاح السيد وبشير عامر والطيب محمد صالح وأكرم الفاتح يوسف ؟ وهل أنسى سيد عبدالرحيم وسيداحمد النعمان والفاتح الياس وبابكر نقدالله ومدثر محجوب وغيرهم ؟
لا أستطيع !!!!!!!!!
وهب أنني استطعت هل أستطيع أن أنسى عبدالعزيز عبدالرحمن العميري ؟ الفنان والشاعر المبدع واسطورة الفن الشامل خريج معهد الموسقى والمسرح وكنت قد درسته وما زلت أذكر صوته يجيء منسابا في الممشى العريض مفتونا بعيون المها ومفلوق الصباح والشرف الباذخ ،  مش بدري عليك يا عميري ؟ ولكن لا عليك هآنذا في إنتظار جودو مشروع تخرجك . وهل أنسى عمر الطيب الدوش الشاعر المجنون الذي درسني بمدارس عمه الدوش ليأتي لاحقا ويجلس معي في نفس الصف بمعهد الموسيقى والمسرح بل وأتخرج قبله لأنه كان معتقلا وأنا  حر طليق ، ألم أقل لكم أنني صغير السن – ها ها ها ها ، الذي درسته فارقني والذي درسني فارقني .
مات الذي أنشد لنا :
مرقت كأني زولا مات
لقيت أطفالي في الشارع
بيجروا على أمل واقع
قعدت على البحر غنيت
واتذكرت أهلن لي
ساكنين في سجن كوبر
مليت أفراحي بالأمواج
وشديت الرحال قمت 
لحد الليلة
ما عدت
شبابيك فتحت أبواب
وأبواب فتحت حارات
وكنت معاك يا وطني
على حمى الجواب الفات
صحيت ولقيتك الشارع
وكت تتمايل النخلات
ضلك
على أيامك الجايات
وفي جوابك الرابع
لقيت الناس على الشارع
وصوتك من كهوف طالع
كواريك للسما السابع
كواريك للسما السابع
كواريك للسما السابع
..........
الشعب يريد إسقاط نافع علي نافع !!!!!ها ها ها ها
قال أيه ؟ لن يخرج الترابي من السجن إلا محمولا على عنقريب ، خرج العنقريب وظل الترابي في السجن !!!!!
............
يقولون تموت الأسد ولحم الضان تأكله الكلاب ونفسي أن آكل قبل موتي  لحم كلب كندي وتاني تاني تاني ها ها ها ها حلم الجيعان كلب !!!!!!!!!
وجاءني الخبر القاتل : مات علي عبدالقيوم ، مات الملك وحارس بوابتنا الشعرية ، مات الذي زاملته في الكويت 12 عاما وعرفته قبلها ب 12 عاما مات الذي قال :
أي المشارق لم نغازل شمسها
ونميط عن زيف الغموض خمارها
أي المشانق لم نزلزل بالثبات وقارها
أي الأناشيد السماويات
لم نشدد لأعراس الجديد
بشاشة أوتارها
وماتت " زوجتي " حورية حسن حاكم  المذيعة و المخرجة السينمائية الفذة  وكده كفاية مافي داعي !!!!! ومات شقيقي الفنان صلاح حسن علي ومات ابن خالي الديبلوماسي الكاتب المرموق محمد عثمان بابكر " ستالين " و مات المذيع اللامع أحمد قباني و  مات الطيب صالح وهو في قبره يصرخ : من أين أتى هؤلاء القوم ؟ وخوجلي عثمان تغتاله سكين الهوس الديني والحمق والجهل والتطرف ، وأوتوموبيلات لندن تدهس فارس الكلمة خالد الكد ،ومات أفذاذ بعد أن حوربوا وطردوا من الوطن يغسلون الصحون في لندن ويكنسون الشوارع في فرنسا ويجمعون القمامة في واشنطون وتطحنهم مصانع الأسمنت والبلاستيك في كندا ، عزاؤهم الوحيد حفظ ماء الوجه وما تبقى لهم  من كرامة وشموخ وأنفة وكبرياء  ، وهم على الأقل يعيشون حياة فيها حرية و ديمقراطية ولا يعرفون الخوف ،  ويستطيعون أن يجهروا بما يشاؤون ويجدون علاجا لأمراض العصر بالمجان ولا يفسدون  ، وفيهم أيضا سودانيون يشار إليهم بالبنان فرضوا أنفسهم في أكبر دول العالم وحرم منهم الوطن .
وغادرنا الشاعر الحبيب المهذب عثمان خالد أمير الشعراء  بعد أن أصبح مثل " بروة " صابونة،  مات الجابري وماتت والدته  وبقيت رسائله تضيء لنا الطريق وتفتح قلوبنا وتعلمنا معنى الحب وبقي صوته ناعما  شامخا كما الأشجار تموت واقفة  ، مات الشاعر النوبي الصنديد جيلي عبدالرحمن ،  مات شاعر- سال من شعرها الذهب – مات أبوآمنة حامد – علي حامد علي إيلا آدم – مات السمندل محمد عبدالحي ومات مؤسس مدرسة الغابة والصحراء مات الشاعر الكبير النور عثمان أبكر ، مات أستاذي الشاعر النجم محي الدين فارس أحمد عبدالمولى ،   مات مربي الأطفال والأجيال مات الخال الفنان المسرحي  الفكي عبدالرحمن أسطورة الزمان ، ومات أعز الناس ، مات الخاتم عدلان ومن يومها وأنا مريض حتى الآن ، ووداعا أركماني عالم الآثار الجليل أسامة عبدالرحمن النور الباحث والأكاديمي السوداني البارز ، لن أنساك ما حييت وهل جاءك خبر دار دار  زنقا زنقا ؟ واستشهد المعلم الذكي القوي جون قرنق الذي أحببته من كل قلبي وضحكت مع قفشاته ونكاته الساخرة وحديثه الجاد  ، رحل وبقيت مبادؤه وشموخه السوداني الأصيل  ، مات عثمان حسين محمد التوم  قيثارة السودان والفاكهة التي لا مثيل لها ، ومات جاري و"ترباس " قلبي الفنان الذري أبراهيم عوض ،  ومات أروع من عرفت مات سيد خليفة واغاني جماع أسمعها كل صباح ،رحل أبوالأغنية الوطنية حسن خليفة العطبراوي محمد الفضل واحد من أكبر إهرامات السودان ،   وقبل أيام رحلت الشفيفة  الرهيفة وداد صديق  زوجة الصديق الصدوق فتحي الضو محمد ،  كما رحل قبل أيام مبدع الدراما السودانية  الرجل القامة أمين محمد احمد ، مات الفنان الكبير عوض صديق ، رحل عبدالعزيز "  عصفور"  وعبدالعزيز داوود  الذي ملأ حياتنا فرحة وسرو ر لن يتكرر  ورحل عن دنيانا أروع من أنشد لنا :
شيدتي في جواي صوامع للفرح
وفتحت في دنياي مسارح للمرح
وبقيتي لي سكة وعيون
لا قدرت أطولك شان أجيك
لا قدرت من غيرك أصل
وأنا بيك ماليني الكلام
حركت بيك عصب السكون
جلبت ليك الغيم رحط
طرزت ليك النيل زفاف
حرقت ليك الشوق بخور
وفرشت ليك الريد لحاف
OH MY GOD !!!!
وأنا يا مصطفى سيداحمد ماليني بيك الكلام
مات الذي قتلني ضحكا في أكل عيش وما من بلدنا ، مات  الفاضل سعيد و اسماعيل خورشيد وحسن عبدالمجيد  وفتحي بركية وحسبو محمد عبدالله ومات صديقي اللدود أبوالعباس محمد طاهر  وسامي سالم وكهرمان السودان الشفيف العفيف  الشريف حسين شريف ، مات القدال ولم أجد من أعزيه سوى صديقي كمال الجزولي .
مات الشاب الضحوك المهذب الخلوق عبدالله الصافي ، مات العفريت المشاكس حيدر بندي ومات الرجل الذي أحببته كثيرا مات بدرالدين مدثر ، ومات بدرالدين هباني وعمر نورالدائم ومحمد عبدالله يس و مات الرجل الإنسان الجليس الونيس فتح الرحمن الشيخ  ومات صالح التجاني ويا حسرة على شبابه .
أغتيل حبيب العمر بدرالدين عجاج ومات صديقي   محمد رضا حسين الفنان  الرائع مخرج علي جناح التبريزي وتابعه قفة وناس السما التامنة ومخرج العرائس وناحت الخشب الذي لا يمل ، مات بمستشفى مصطفى محمود وفي حلقه غصة – ما أروعك يا جميل  وما أروع رقتك وما أروع أسرتك !!!!!
في كل ولايات ومدن وقرى السودان ماتوا ، في الداخل والخارج ماتوا ، كثيرون ماتوا رحلوا إختفوا غابوا زهجوا قرفوا ومنهم من قال رأيه  ، هل أستطيع ذكرهم جميعا ؟ العزاء لهم جميعا ،   قلبي ينشطر ،    قلبي عليك يا وطني فانت أيضا انشطرت !!!  والخوف على الباقي !!!!!.
تموت الأسد ولحم الَضأن يأكله الطيب واسحق وابراهيم وعمر  وغندور ومندور وهلم جرا !!!!!!
أنا أفهم في المسرح والسينما والموسيقى وألأدب والفن عموما ، وفي السنوات الأخيرة شرعت أفهم في الإقتصاد والسياسة والطب والجوع  و" المويه الوسخانة "  ، ونفسي الآن أن أعمل دكتوراة في "  فن  الموت "  ، فدلوني يا شباب هل هناك جامعة في العالم إسمها "     كيف تموت HOW TO DIE   " غير السودان ؟؟؟؟؟؟؟؟  يقولون "  أضحك تضحك الدنيا لك ، أبكي  تبكي  وحدك " .
بدرالدين حسن علي -تورنتو
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.