بسم الله الرحمن الرحيم

لا بد من تأسيس ثقافة مجتمعية شاملة من خلال محطات تربوية رئيسية تشكل الأسرة المدرسة الأولى في تشكيل الطفل واكتساب العادات والاتجاهات والأخلاقيات.  من المهم جداً أن يعرف الآباء بأن وعي الطفل هو فوق ما يتصورون، وأي سلبيات في البيت أكانت مشاجرة بين الزوج والزوجة أو صراخاً، فأنه سيترك آثاراً هامة على سلوكيات الطفل من تنمية اتجاهات نحو العنف والتوتر والخوف تظهر في سنوات لاحقة، المهم أن نعي هنا أهمية الأسرة كنواة ولبنة رئيسة في النسيج الاجتماعي الوطني... فمنها تتشكل المواطنة والهوية والوحدة الوطنية، ومنها تنتشر ثقافة مجتمع المساواة والعدالة وحب العمل، وثقافة العيب أو ألا  عيب، ومنها تنتشر أيضاً ثقافة النزاهة والمصداقية والعيش مع الآخرين، ومنها تتشكل مفاهيم الحلال والحرام لقضايا الفساد المالي والإداري.

اضافة للمجتمع الخارجي الاصحاب والرفاق داخل الحي والمدرسة والجامعة والشارع  ، الإنسان في طفولته المبكّرة يلجأ إلى تقليد الآخرين في شق طريق حياته، يكتسب اللغات واللهجات وطرائق ممارسة الحياة، أكانت إيجابية أو سلبية.. من تقاليد مجتمعية وسلوكياته، حتى أنّ الدراسات أثبتت بأن مجتمع الرفاق لا يقل تأثيره في تشكيل عقلية الشباب اليافعين عن مجتمع الأسرة.  لذا فإنّ الحي ومجتمع الحارة ذات تأثير كبير على بناء ثقافة النزاهة ومحاربة الفساد، إذا أحسن توجيهها في الاتجاه الصحيح. المدرسة والبيئة المدرسية تساعد في بناء المواطنة وثقافة النزاهة والأخلاقيات والاتجاهات الإيجابية تقوم على مبادئ وقيم الحرية والمساواة والعدالة والمشاركة.  لذا علينا تغيير المنهجية الدراسية من التلقين إلى المشاركة في التعلّم بحيث يتغير الصف من محاضر ومستمعين إلى ورشة عمل يشارك الطلبة فيها مع المعلم لحل المشكلات، وغرس المفاهيم وتنمية الاتجاهات.

فالمواطنة وبناء القيم لا تتحقق من خلال التلقين، بل من خلال قدرة المعلم، والمشاركة الصفية لبناء الحوار والسير الديمقراطي في تنمية المهارات، وتشكيل عقلية الطالب، بحيث تصبح الديمقراطية والمشاركة مع الآخرين جزءاً من العملية التعليمية ، اضافة للإعلام الذي يمثل  وعاء مهماً للمنظومة التربوية لسلوكيات واتجاهات المجتمع.

حرية الإعلام ضرورة كسلطة رابعة، تراقب وتكافح الفساد بمقالاتها وتحليلاتها.  وعندما نتكلم عن حرية الإعلام فإنها تُشكّل قيمة عليا وركناً من أركان الديمقراطية، لذا يجب عدم وضعها بين أيدي المطبّلين والمزمّرين.  فالإعلام أصبح سلطة، لها وزنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي على المجتمع.  وعلى الإعلامي، كما الحال في المعلم، عليه أن يكون قدوة في النزاهة والمصداقية وإيصال الخبر الصادق وتحليله بكل موضوعية.  لأن أي خلل في ذلك، سيتأتى عنه بث الفتنة والشائعات التي لا تستند إلى دليل، ولا تستقيم المواطنة بذلك.  ويجب أن تعي نقابة الصحفيين بأن عليها إجراء التعديلات على أنظمتها لوضع اساس مهني وأخلاقي، لمتابعة أي خلل أخلاقي أو فساد إداري أو مالي فمحاربة الفساد وبناء مجتمع النزاهة والمسيرة الديمقراطية لا تتأتى من إعلام مهزوز...

إذ أنَّ الإعلام يشكل مدرسة تربوية موازية، وعليها أن تخضع للإصلاح لتوفير الأمن الاجتماعي. حينما ينتفض شعب مطالباً بالعدالة الاجتماعية، تصبح حركته قوة تغيير نحو حياة أفضل، أما إذا تحركت جماعة على أساس إثني أو طائفي أو حزبي فإنّ نتائجها حروب أهلية وخراب الأوطان. وهذا نعيشه الآن حروب في كل الاقاليم بل هذه الفتن لها جذور في الاقاليم المستقرة تحركها وقتما دعت الضرورة لتحريكها .

فالتعددية هي الاختلاف في الخلق والأجناس واللغات والطوائف والمذاهب وهي سنة الخالق في طبيعة الأرض في كل زمان ومكان.  ولكن ما هو خيار إنساني: كيف نتعامل مع هذه "التعددية"، نستنبت منها عناصر قوّة كلوحة رائعة في المواطنة والوحدة الوطنية والكرامة الإنسانية وبناء المجتمع الديمقراطي. وهذا سبب تقدم الشعوب في المجتمعات الحديثة وتقدمها الاجتماعي وعدم تحوّل الأزمات إلى براكين هائجة تحرق الأخضر واليابس، لذلك على حكامنا الالتزام بمنهجية التغيير الديمقراطي على أساس أنه لا بديل عنه.  وعلى المجتمع أن يختار نوابه الحقيقيين المخلصين، لإجراء التعديلات الدستورية المناسبة ، والوصول إلى دستور اساسه متفق عليه  وبه نستطيع خلق دوائر انتخابية تمثل شرائح الوطن  الاجتماعية والسياسية، وننطلق منها لبناء مجتمع النزاهة والمصداقية والإنتاج والعمل والمشاركة، بعيداً عن الانحطاط الحاصل باستخدام السلاح الطائفي والمذهبي والديني والإثني في تجزئة الأمة.

كذلك علينا أن ندرك  أن المجتمع المعرفي هو السائد حالياً في الدول المتقدمة الذي يقوم على بناء الذات وحب العمل وهو أساس التنمية المستدامة، ولا يمكن لمجتمع معرفي أن ينمو إلاّ في توفّر بيئة الحرية والتعبير عن الرأي، وبذلك ينمو الإبداع والابتكار والفكر الخلاّق دون خطوط حمراء إلى مدارات وآفاق مستقبلية لمجتمع نزيه يكافح آفة الفساد ويقي الأمّة من شرورها. لذا فالإصلاح الحقيقي يتطلّب منا جميعاً العمل من خلال التكاتف، والشراكة، للوصول إلى إصلاح شامل جذري، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وليس شكلياً، نواته المواطنة ومساحته الوطن.  والله المستعان .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.