بسم الله الرحمن الرحيم

عند الحديث عن أنظمة الاستبداد فأول ما يخطر ببالنا هي الأجهزة التي يقيمها النظام بمسمياتها المختلفة والتي تكون وظيفتها حماية النظام، وذلك من خلال "ترويع المجتمع". لقد أصبحت مؤسسة الأمن من أهم دعائم نسق الحكم الفاسد. وهي عماد مؤسسة القهر التي تضم أيضا أجهزة المخابرات المختلفة والمخبرين المبثوثين في كل مفاصل الدولة المدنية والعسكرية, كما تضم الأعوان المدنيين الذين يتم استدعاؤهم لإثارة الفزع في صفوف الجماهير. "إن صورة دولة المخابرات تجسد حالة مخلوق ضخم يقوم على القوة والعنف والاستبداد، ويستمد أسباب استمراره من الخوف وليس من الشرعية".وفي أنظمة الاستبداد تكثر الأجهزة الأمنية، وكلما زادت أعداد رجال الأمن زادت مساحات الخوف، حيث ينسحب الأمان ويعم الاضطراب، ومن ثم تكثر السرقات والفوضى والتعديات، فالسلطة منشغلة دوماً بترتيب المواكب وتنظيم الحراسات، وتكثيف المظاهر لقادتها ومسؤولييها، والتجسس على معارضيها وقمع مخالفيها  وفي حالة العدوان الخارجي تكون هذه الأجهزة أول من يطلق ساقيه للريح هربا.  ومنها أجهزة الإعلام وبالطبع فإن الجهاز القمعي يسانده جهاز إعلامي، هو في حقيقته أداة النظام الرئيسية للتعبئة، والشحن العاطفي ضد المعارضين ويقوم بتزييف الوعي وإفساده إن أمكن. والتعمية على المواطنين والكذب المتواصل على طريقة جوبلز( وزير الإعلام النازي ): الذى قال" اكذب ثم اكذب ثم اكذب وكلما كانت الكذبة اكبر كان التصديق لها أكثر". والقضايا التي يتم طرحها تكون بما يتفق وتوجهات الحكم والنخبة والحكومة، والقضايا التي يتم حجبها، وتجاهلها تكون مما لا يحسن فتح ملفاتها. أما ممارسة حرية الرأي والتعبير، فإذا لم تكن في حدود "الأدب أو بعبارة أخرى "الخطوط الحمراء" فإن المصير يتراوح بين الطرد أو الفصل أو الحرمان من الممارسة أو النقل الإداري وصولاً إلى السجن والتعذيب بأنواعه . ثم هنالك مثقفو السلطة المستبدة ومثقف السلطة هو احد الأدوات الرئيسية للاستبداد وهو من أعمدة ثقافة الفساد "فالنظام" الفاسد يحيط نفسه بطبقة من كتاب البلاط, وهي طبقة عازلة تُنَظِر لبقاء هذا النظام، طبقة مكوّنه من أنصاف وأرباع مثقفين يكتبون المقالات في تمجيد النظام، و تفتح لهم الصحف والشاشات أبوابها دون تحفظ لإلقاء الخطب والتصريحات وممارسة طقوس الطاعة والولاء بشكل يومي .وهم قادرون على تحويل الهزائم إلى انتصارات والإخفاقات والمخازي إلى مؤامرات والشرف والفضيلة إلى تطرف وإرهاب وتزمت, وهم يمتلكون وجوهاً عديدة ومتنوعة لكل مناسبة. و مثقف الاستبداد همه الأول منح النظام السياسي الشرعية مقابل أن ينعم بالعطاءات المادية والترقيات و المناصب الرفيعة، وهو الذي يمتلك القدرة على تزييف الحقائق، ويخفي أهداف المستبد الذاتية، ويحولها إلى أهداف سامية باسم الشعب والأمة والوطن والدين، مستخدمًا كل المخزون الفكري والمفاهيم الأخلاقية لدى الناس ليلصقها بسلوك المستبِد فيصبح هذا المستبد قائداً ملهماً فاضلاً لا غنى للجماهير عنه. والمثقف لا يكف عن الهتاف، فهو يسترزق من هتافه، ويتحول بالتدريج إلى مستبد صغير، فيتوالد الاستبداد ويعيد إنتاج شروط الاستبداد من جديد في  نفسه وذاته، فيصبح استبداداً دينيًّا واستبدادًا ثقافيا واستبداداً اجتماعياً واقتصادياً …. وهؤلاء المثقفون هم المسئولون عن فساد العقل لأنهم حولوا العقل من وظيفته النقدية إلى أداة تبريرية للأنظمة العاجزة ومروجين بارعين للشعارات التي يسوقونها ليل نهار. ومن أسوأ أنماط مثقفي السلطة من يطلق عليهم " علماء السلاطين " فهم يحاولون إعطاء المستبد كل ألوان الشرعية الدينية عبر تحريف مقاصد الدين وأهدافه السامية وتقزيمها وعبر ليِّ النصوص وتطويعها لتكون في خدمة مصالح المستبد وحاشيته. حكومة الاستبداد تلجأ إلى أساليب عديدة لتحافظ على بقائها وترسيخها ودوام سيطرتها واهم هذه الوسائل ........" هو سوف اتناوله في مقالي القادم تكملة لثقافة الفساد ، اللهم نسألك الاصلاح إن كان لنا فيه خيراً يسره لنا وأن كان لنا فيه شراً فأصرفه عنا فأنت أعلم بحالنا يارب العالمين ونسألك حسن المقصد واليك المصير .
Elfatih Eidris [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]