بسم الله الرحمن الرحيم

كثر الحديث في هذه الفترة حول مفهوم الشفافية في مختلف القطاعات ، وبين الطبقات والمؤسسات بل بين الجماعات الغنية و الفقيرة على حد سوا و بدأت المناقشات حول الشفافية و آفاق تطبيقها على مختلف الأصعدة السياسية و الاجتماعية و العسكرية ، و على الأخص على الصعيد السياسي الاقتصادي .و انبرى البعض بحسن نيته و من أجل بناء الوطن لتسويق مفهوم الشفافية ، و البعض أخذ ينادي بالشفافية داخل كل المؤسسات الحكومية سعياً نحو فرض سياسة الأقوى على الأضعف و بما يوافق هوى الجانب الأقوى ، و بما يحقق مصالحه بعيداً عن التفكير أو النظر بعين الاعتبار لظروف الآخر و ثقافته و آفاقه و أهدافه السياسية و التاريخية ، وبعد كشف المستور من الفساد المالي في معظم اورقة الدولة وبخاصة في الأوقاف وغيرها من الادارات الفساد بكل أنواعه اداري مالي سياسي اقتصادى كثر الحديث عن الشفافية بعد توجيه النائب العام بمراجعة الأمر أعلن النائب العام تسجيل ممتلكات المسئولين من بداية إعلان تبرئة الذمه والشاهد أن المعني شبع وأصابته التخمة ثم كرر الرئيس في العديد من اللقاءات الجماهيرية والوزارية جملة من الأفكار و التوجهات المستقبلية حول مجمل القضايا و السياسات الداخلية و الخارجية و في مختلف المجالات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الإدارية أبرزها     التأكيد على أهمية التجربة     الديمقراطية في حياتنا . مكافحة الهدر و الفساد و احترام القانون و الإخلاص و التفاني في العمل . التطوير و التحديث و أهمية الإصلاح الإداري و تطوير مختلف المجالات و في مختلف القطاعات (عام و خاص و غيرهما ) اتخاذ كافة الإجراءات المطلوبة وفق معايير الشفافية و الصدق في العمل و الشعور العالي بالمسؤولية و معالجة الأخطاء بصراحة و وضوح بعيداً عن الاتهامات. وبمراجعة ذلك  لن نكلف أنفسنا عناء البحث في مدى تحقيق هذه المطروحات على أرض الواقع وهو لا شك قليل جداً و بطيء جداً عندما نقول واقعاً نعني أرقاماً دقيقة و الرقم لا يمكن أن يكذب و بالتالي فهو صادق و شفاف  فالشفافية قبل أن تكون حالة اقتصادية أو سياسية أو إدارية … الخ … و ما إلى ذلك … فهي حالة ثقافية و قيم و تقاليد اجتماعية….    و أيضاً لا حاجة للبحث في مدى تحقيق الحكومة لهذا الطرح ومدى دعمها لبرامج ومحاضرات الشفافية وتسويقها تربويا وأكاديمياً واجتماعياً.فالأرقام ضئيلة ولم تتعدى الجهود الخاصة لبعض المهتمين في بعض المراكز البحثية أو بشكل فردي .و إن كانت الحقيقة الواضحة وضوح الشمس أن تصريحات وخطابات المسؤولين و أحاديثهم ازدحمت فيها كلمات الشفافية والتطوير والتحديث لدرجة أفقدت هذين المصطلحين قيمتهما و لدرجة الابتذال ومقت الجمهور.    إن الشفافية  و وفق ما درسناه ووعيناه ، و وفق ما يعبر عنه الآخر هي الصدق في حياتنا ، و الصدق يعني قيمة و ليس شعاراً ، و هي قيمة موجودة و يجب أن تكرس في حياتنا على صعيد المنزل و العمل و المجتمع و الوطن ، يجب أن تكرس على المستوى الشخصي و الاجتماعي و على كافة الأصعدة بما فيها حقوقنا الإنسانية .    الشفافية في تقدير احتياجاتنا المنزلية ، و الشفافية بالالتزام بمقاييس العمل الأمثل و الذي يؤدي إلى النتيجة الأمثل و الشفافية في العلاقة بين المواطن و الدولة ، بين متطلباته و قدرة الدولة و تأدية واجبه تجاه الدولة ، و حقه على الدولة كفرد ، ولنعلم  بأن رفع مستوى الاحتياجات و المطالبات يرتفع بمدى القدرة على مستوى الإنتاج و البناء ضمن هيكل الدولة و تعزيز مصداقيتها و كذلك ضمن وضع شروط صحيحة من قبل الحكومة و وضعها لسلة أرقام حقيقية و غير وهمية يستطيع من خلالها الفرد الناقد والجماعة المنظمة تقديم أوراق عمل اقتصادية و اجتماعية دقيقة وعلمية و ذات بعد مستقبلي حقيقي .الدعوة للشفافية مكافحة الفساد و الهدر ، المساءلة و بناء الديمقراطية و تعزيز بناءها إن مفهوم الشفافية مرتبط ارتباطاً وثيقاًَ من حيث المطالبة بمفهوم آخر هو الفساد و الهدر والتقصير و يعتمد أساساً في بناءه و تأكيده على صفته و قيمته في حياتنا على جانب آخر هو المساءلة و الإصلاح و المحاسبة فبقدر ما نحقق الإصلاح و المساءلة و نكافح الفساد و المفسدين نكون أقرب ألي بناء مجتمع الشفافية الذي ينادي به كل المخلصين من أبناء الوطن     وتأتي عوامل بناء المجتمع الشفاف في تعزيز قيمة الصدق في حياتنا من خلال تأكيد ان الشفافية ليست مطلباً فقط بل هي قيمة ملتزمة تلازماً أكيداً بمفاهيمنا التربوية و السياسية و الأخلاق الديمقراطية و قبل ذلك هي جزء من قيمنا التاريخية و الوطنية و في صلب المكونات العقائدية في حياتنا دينية كانت أو سياسية وليست حكراً على جماعة وطنية دون أخرى وعلى تنظيم سياسي دون سواه . اضافة الى
تعزيز البناء الديمقراطي في حياتنا على مستوى الفرد و الجماعة و منح المواطن كامل حقوقه و أهمها حقه في عملية صنع القرار على كافة الأصعدة و أهم من ذلك اطلاعه بصدق و شفافية على المكونات الرقمية التي تلعب دوراً أساسياً في عملية صنع القرار سواء الاقتصادي أو السياسي أو حتى الاجتماعي . ثم يأتي  التأكيد على أن المحاسبة هي حق من حقوق المواطنين تجاه السلطة كأحد الضمانات الأساسية لتعزيز الديمقراطية في المجتمع و بناء المجتمع الشفاف و تعزيز شرعية الانتخاب ضمن الشروط التي تناسب الوطن في مبادئه و ثوابته و تأكيد شرعية المسؤول المنتخب من خلال استمرار المواطنين في الرضى عن هذا المسؤول و تقديرهم لحسن أدائه و ضمن إطار آخر هو تقيده بالقانون الذي أرساه المجتمع ووضعه لهذا القانون أساساً لحماية مستقبل مواطنيه من خلال مراقبة المخلصين و تعزيز قدرة الأجهزة الرقابية السلطوية و الاجتماعية .  إن مشاركة أوسع لكل فئات المجتمع دون نظرة دونيه لاي أحد إلا عبر الإدانة القانونية وليس السياسية  و فتح المجال أمامها في التأثير و عملية صنع القرار في كل المستويات هي أهم الضمانات التي تكفل تعديل و تحسين و تطوير أداء مختلف الهيئات في المجتمع بما يضمن باستمرار تحقيق مصلحة الجزء الأكبر من المواطنين و من شأن ذلك أن يدفع باستمرار إلى تطور المجتمع و رقيه باتجاه توفير السبل و الوسائل لحياة المواطنين و راحتهم و رقيهم و تقدمهم. وعلينا ادراك  إن الشفافية تعني بالشكل الأساسي أن تكون كل المرافق و المؤسسات التي تدير الشأن العام شفافة تعكس ما يجري بداخلها و ما يدور بداخلها و ما يشاع في أروقتها و ذلك ينطبق على الأحزاب و النقابات و المؤسسات و المرجعيات الثقافية و الدينية بحيث تكون كل الحقائق معروفة و متاحة للبحث و المساءلة و تعزيز قيمة المساءلة في حياة المواطن و الجماعة و اتخاذ الإجراءات التي تعزز هذه القيمة و أهمها الخطوات التي تكون على المستويات الأعلى بمثابة قدوة و محرك للتغيير
و تعزيز دور الإعلام الشفاف نظراً لما يلعبه هذا الإعلام سواء كان عاماً أو حزبياً خاصاً في تحريك عجلة التغيير الاجتماعي و التربوي عبر وسائله الأكثر انتشاراً و أكثر قدرة على الدخول إلى أبعد و أصعب المعاقل . الاستفادة من  التراث الحضاري و السياسي و الديني في عملية زرع روح القدوة و الشفافية في حياة المواطن و الجماعة و عدم تناس ذلك .إن     من الواضح أن الشفافية و الفساد مفهومان متعارضان و العلاقة القائمة بينهما هي علاقة عكسية فبقدر ما تزيد الشفافية في المجتمع و في كل المجالات و على كافة الأصعدة كلما ارتفعت إمكانية محاربة الفساد و الحد منه و السيطرة على آثاره المدمرة في كافة المجالات. نحن جميعا نحتاج لوقفة  نعبر من خلالها عن اعادة و صياغة  جملة من الالتزامات والمبادئ و الثوابت التى تصب في مصلحة الشعب و تعزيز مفهوم القدوة و الغيرية على الوطن و المواطن ، و ليس الترديد الببغائي للأقوال و الشعارات بقصد أو بدون قصد لإفراغ الأمل من محتواه و يجب أن يعلم الساسة أن الشعب و الوطن هما أمانة متبادلة لن يفرط أحدهما بالمصلحة المشتركة لكليهما في بناء وطن يقوم على القوة و الشفافية . والله المستعان .

Elfatih Eidris [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]