بسم الله الرحمن الرحيم

الثابت أن الحياة الإنسانية لا تعرف حقاً مطلقاً  أو يمكن أن يكون مطلقاً إلا حق الكلمة ، فهو حقٌ مطلق لا قيود عليه ولا منتهى له ، فالكلمة ليس عليها سلطان  إذا مثلت فكرة صادرة عن رؤية واقتناع ، تستهدف الخير لا الأذى والبناء لا الهدم فالمكتوب يمثل صورة حقيقية لروح كاتبه بل نافذة تطل منها السلطة عما لا تراه  وبها تدرجت الأمم والشعوب الراقية الى أعلى مراتب التقدم والرقى  , فالكلمة كانت ومازالت تمثل أحسن جوانب التقدم الإنسانى وأتقاها وأبقاها وهى تلك الكلمة التى نمت بين تيارات أمينة من الحوار والمناقشة ، وحين نضع فكرنا عبر الكلمة المكتوبة في مراقبة أى عمل يكون مصيره النجاح لا الفشل ومهما كان ذكاء السلطة فأنها إذا تدخلت في مسار الكلمة ايجاباً أم سلباً فإنها تقع في تناقض وتدهور قرارها وسلطتها ، فمحاكمة الكلمة  تأتى عبر القانون وهو نفسه فكر وثمرة جهد العقل فالقوانين هى نتاج فكر انسانى متواصل بالتجربة والنقاش فالأعمال الرائعة دائماً هى ثمرة فكر عادل   ، لذلك الكلمة الحرة هى التى تضع القيود وترسم الحدود حين تحتاج الى ذلك فهى قديمة عتيقة وأول أمر إلهى تلقاه الرسول    لم يكن صَلِّ  ولا صُمْ ولا جاهد إنما كان اقرأ ، ولنعلم أن الحياة الإنسانية فى تقدمها وتفوقها ليست مدنية لذوى الأهواء أدعياء السلطة  بل هى مدينة لذوى الرأى والإقناع والاقتناع الذين حددوا علاقاتهم بالحياة عن طريق قضية جليلة يؤمنون بها ، وكل انسان له رسالة وهدف فهو ثمرة للفكر والكلمة  وإذا أردنا التقدم وحل المشاكل ومحاربة المفاسد علينا احترام الكلمة  ، وليعلم الذين يقمعون الكلمة دفاعاً عن خير عام ومصلحة عامة لا يدركون حقيقة الاصلاح لأن الخير العام لا يجد اكتماله إلا فى ظل الحوار والمناقشة ، فقمع الكلمة يحقق أهداف خاصة للأنظمة السياسية الباهتة الفاشلة فهى ضمان استمرارية المصالح والمفاسد المحمية قانوناً ووجوداً وهذا يضيع العديد من المنافع والمزايا لإصلاح شأن الأمة وحين ترى السلطة أن من حقها المشروع اخضاع الكلمة فيومئذ لا يتمثل الشعب بالقول "إن أفضل الحكومات أقلها حكماً "  بل يتمثل بالقول " إن أفضل الحكومات هى التى لا تحكم إطلاقاً "  وعلينا أن ندرك أن أفراد المجتمع لا تواتيهم الثقة بأنفسهم والأمن في حياتهم عن طريق ما مثلما تواتيهم بسبب التعبير الحر عن أنفسهم وعن آرائهم ، فالفرد يدرك بسهولة لماذا يخاف إذا سرق أو قتل أو أخل بواجباته العامة ولكنه لا يجد أى مبرر منطقي للمخاوف التى تنتابه اذا هو أبدى رأيه وقال كلمته وشارك الناس بالرأى والكلمة في حل مشاكل دولته ، ولهذا كان اقرار حق الكلمة دعماً لحق الانسان فى الطمأنينة والأمن وإذا تعود الشعب أن يعيش بغير اعمال آرائه فقد حاجته الى الاقتناع وفقد الايمان الذى يكون ثمرة اقتناع واختيار وعندئذ يتحول المجتمع الى خواء موحش وفراغ كئيب  وصدق من قال " أن شخص واحد ذا فكر يساوى تسعة وتسعين من ذوى الهوى والغرض " وهؤلاء ما أكثرهم اليوم   ،  أيها الساسة إن التقدم والتنمية والسلام والحوار ووقف الحرب وكل القضايا التى  التى تتحدثون عنها إذا لم يشارك فيها الشعب بكلمته وآرائه تصبح الحلول الصادره وقتيه تنتهى بانتهاء اجتماعاتها  ، ولتعلموا أن المجتمع الحي النامي القابل للتطور وهو الذى ينمى في داخله كآفة الوسائل اللازمة للتطور والتقدم مادامت حرية الكلمة على رأس هذه الوسائل جميعاً فإن سلامة التطور تتطلب احترام الكلمة وإزالة كل القيود امامها  وعلينا أن نعلم أن السلطة هى حاصل الجمع لكل ما يتمتع به الأفراد من قدرات وطاقات فهى قوية بقدر ما في المجتمع من قوة ، وهى متحضرة بقدر ما في المجتمع من حضارة وهى حرة بقدر ما في المجتمع من حرية  ، لذلك أهم سمات السلطة الناجحة أن تستمد قيامها ونفوذها الشامل من قدراتها على تلبية حاجات المواطنين وحفظ مصالحهم ، فعظمة السلطة ليست في قوتها وجبروتها بل في عدلها  ، العدل في حفظ حق المواطن فى تعليمة وتوظيفه ودخله وصحته ...هكذا يبدو حق الكلمة حقاً مطلقاً والمقصود أن تظل حرية الكلمة في منأى عن كل القيود فهى  الرقيب والكاشف لكل تصرفاتنا وأعمالنا والمرشد لمسارنا والمصحح لكل الاخطاء وإذا حررناه من القيود لاكتشفنا السارق قبل أن يستفحل أمره ، الكلمة حق يجب على السلطة حمايته ورعايته واحترامه . والله المستعان .

Elfatih eidris [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]