بسم الله الرحمن الرحيم

Elfatih eidris [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
أروى لكم حكاية فيها من المعاني الكثير رواها الخليفة العباسي المنصور:" يقول : "كان يمشى فى شوارع بغداد فسمع رجلاً يقول : اللهم إنى أشكو إليك ظهور البغي والفساد فى الأرض يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع ، فأسرع الخليفة المنصور فى مشيته حتى ملأ مسامعه ، ومن ثم خرج فجلس ناحية المسجد ثم أرسل وطلب الرجل فدعاه فصلى ركعتين واستلم الركن مع الرجل فسلم عليه ،فقال المنصور : ما هذا الذى سمعتك تقوله عن ظهور البغي فى الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع ! فو الله حشوت مسامعى بما أمرضنى وأقلقني فقال : يا أمير المؤمنين إن أمنتنى على نفسى أنبأتك بالأمور وإلا احتججت فيك وأقتصر على نفسى ففيها لى شغل شاغل ،فقال الخليفة أنت آمن على نفسك فقال :الرجل يا أمير المؤمنين إن الذى دخله الطمع حتى حال بينه وبين الحق وإصلاح ما ظهر من البغي والفساد فى الأرض لأنت ، قال الخليفة ويحك كيف يدخلنى الطمع والصفراء والبيضاء بيدى –يقصد أن الذهب والفضة بيده – والحامض فى قبضتي ! قال : وهل دخل أحد من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين ؟ إن الله عزَّ وجلًّ استرعاك أمور المسلمين بأموالهم فأغفلت أمورهم واهتممت جمع أموالهم وبينك وبينهم حجاب وأبواباً من حديد يعنيك رجال وأعوان فجره وقلوبهم على ظلم ومعك ومعهم الأموال والسلاح أمرت أن لايدخل من الناس إلا فلاناً وفلان 
لا تأمر بإيصال المظلوم والملهوف والجائع والعارى ولا أحد إلا وله فى المال حق وأن هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك وأمرت أن لايُحجبوا ...، تجنى المال ولا تقسمه قالوا : هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه وقد سخر لنا ، على أن  لا يصل إليك من علم من أخبار الناس إلا ما أرادوه ، ولا يخرج لك عامل عن أمرهم إلا أقصوه عنك حتى تسقط منزلته عندك فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم وكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليقووا بها على ظلم من دونهم من الرعية بالثروة والقوة ، وامتلأت البلاد بغياً وفساداً وصار هؤلاء شركاؤك فى سلطانك وأنت غافل والمتظلم حيل بينه وبين الدخول إليك وإذا أراد رفع قبضته إليك عند ظهورك نُهى عن ذلك ....... " ومازال الرجل يقول حتى  أخبر الخليفة أنه سافر الى الصين وبها ملك يبكى كثيراً فقال له وزراؤه مالك تبكى فقال لهم :لست أبكى على المصيبة إن نزلت بى ولكن أبكى لان المظلوم يصرخ ولم أسمع صوته  فقال له : هذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله قد غلبت عليه رأفته بالمشركين ورفعته على نفسه فى ملكه وأنت مؤمن بالله عز وجل ألا يغلبك شح نفسك برأفتك بالمسلمين فإنك لا تجمع المال   إلا لواحد من ثلاث  : إن قلت أجمعها لولدى فقد أراك الله عبراً فى الطفل الصغير يسقط من بطن أمه وماله على الأرض وإن قلت اجمعه لسلطان فقد أراك الله عبراً فيمن كان قبلك وان قلت اجمع المال لطلب غاية هى أجسم من الغاية التى أنت فيها فو الله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تُدرك إلا بالعمل الصالح للمؤمنين فبكى المنصور بكاءً شديداً حتى ارتفع صوته ثم قال ياليتنى لم اخلق ولم أك شيئاً فقال له الرجل عليك بالأعلام المرشدين قال له من هم ؟ قال العلماء قال الخليفة قد فروا منى قال له افتح بابك وسهل حجابك واسمع المظلوم وخذ مما حل وطاب واقسمه بالعدل جميعهم يأتون إليك ويعاونونك على الإصلاح فقال المنصور اللهم وفقني للعمل بوصية هذا الرجل "
هذه عبرة ودرس من دروس التاريخ تخبر بأن الفساد هو الوليد الشرعي للاستبداد والتسلط الذى لازم الساسة وأصبح الفساد والاستبداد توأميين متلاصقين لا خلاص منهما إلا بإزالة الظلم والقهر وقمع الحريات وقول كلمة الحق أمام سلطان جائر الواقع يخبرنا عن الملايين المختلسة وأفضل الأراضي وضع المسؤولون وأقرباؤهم ومحاسيبهم أيديهم عليها ونمت ثروات غير مشروعة لأبنائهم ولأحفادهم لقد بلغ السيل الزبى فتنامت الثروات المنهوبة يقابل ذلك تدهور فى مستوى المعيشة والفقر ازدادت شرائحه . إذا أردنا بناء دولة علينا تصفية بؤر الفساد وتقيد الحرية بشرط المسؤولية وعلينا أن ندرك دأب أرباب الفساد على تعميمه ليشمل الغالبية لكم الأفواه فالمبتلى لا يحق له الحديث ونقد الآخرين ويصبح الجميع أيديهم فى جيوب بعضهم الآخر والمستفيد  الأكبر هم عتاة الفساد ولنتذكر قول الشاعر :
وإصلاح القليل يزيد فيه                      ولا يبقى الكثير من الفساد
والمولى جل شأنه  يقول :" الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون فى الأرض أولئك هم الخاسرون " الحكمة الإلهية فى النهى عن الفساد ورود هذه الكلمة وجذورها والتحذير من عواقبها ونتائجها خمسين مرة فى القرآن الكريم ، أيها الساسة خذوا العبرة من الماضي تفلحوا . والله المستعان .