بسم الله الرحمن الرحيم

أدى الانسداد السياسي في الخرطوم وتونس إلى ردود فعل متباينة في أوساط المعارضة  تزامن ذلك مع سلسلة من الأزمات والانهيار الاقتصادي والتدهور الاجتماعي خاصة في الخرطوم وانعكس هذا الإخفاق والانهيار السياسي على كآفة المستويات الوطنية والتنموية الأمر الذي ظهر جلياً على التنظيمات الإسلامية بصفتها أكثر دوائر المعارضة في الدولتين كان نتاج ذلك فكر سياسي يمثله الترابي في الخرطوم وراشد الغنوشي في تونس ، تمكن كل منهما للوصول إلى السلطة الترابي سابق للغنوشى وصل عبر انقلاب عسكري وهذا بالطبع يتنافى مع فكر الإسلاميين ، تجربته ترنحت بين النجاح والفشل حملت في طياتها العديد من الإخفاقات أدت في نهاية المطاف إلى العداء بين المؤسس وتلاميذه  وتقسيم البلاد وفصل الجنوب عن الشمال ، الغنوشي جاء بالانتخاب بعد الثورة الشعبية التونسية ولعله استفاد من تجربة صديقه الترابي  ويظهر ذلك من تصريحاته ونظرته للوضع التونسي وفقاً لرؤية إسلامية معتدله . ويمكن أن نقف على مدى نجاح التجربتين من خلال الفكر السياسي لقادة التنظيم الاسلامى في الدولتين فالشيخ الترابي دكتور دولة في القانون الدستوري شارك في وضع دستور العديد من الدول الإسلامية ، أدرك الشيخ أن معركته الأساسية ليست ضد العلمانيين فقط بل ضد الإسلاميين التقليديين  ايضاً وبحكم معرفته بالتركيبة الاجتماعية المتفرعة على مناطق متنوعة سكانياً وموزعة جغرافياً على مساحات واسعة أدرك أهمية الدولة ودورها المتميز في لعب الوحدة السياسية . شكلت هذه الفكرة خط تماس متواتر بين فكر الترابي الحديث والتقاليد الإخوانية المتوارثة ، محاولاً دفع الأخوان المسلمين إلى تطوير اللغة السياسية وتطويعها لتستوعب كل المشاكل المعقدة ثم بدأ التوتر حين تزعم الترابي حزب التجمع الاسلامى على أساس دستور جبهة الميثاق الذي مثل وجهات نظر مختلف القوى والتيارات الإسلامية الحديثة وتعتبر هذه الخطوه أول بدايات الافتراق بين الشيخ والأخوان وقد انصب الخلاف في مسألتين واحده فقهيه عندما دعا إلى ثورة جهادية تقوم على تجديد الأصول فصاغ منهجه الفقهي وأشار إلى ضرورة الدمج بين الأدلة النقلية والأدلة العقلية وحاول التوفيق بين الشرع والعلوم الاجتماعية وتوظيف كل ذلك لدراسة المجتمع السوداني ،والأخرى سياسية تقوم على معادلة كسب القوى الحديثة المتضرره من الهيمنة التقليدية وتأسيس تيار معاصر يشق طريقه بين القوتين الإسلاميتين طائفة الأنصار وطائفة الختمية . كذلك الشيخ الترابي لايستخدم كلمة الديمقراطية إطلاقا إلا إذا أشار إلى حسناتها أو سيئاتها لكنه يستخدم تعبئة الرأي العام بالتناصح والشورى ويؤكد على ضرورة ربطها بمنهج اصولى جديد يحقق الثورة الجهادية . وعليه ينطلق فكر الترابي من مسألة محورية هي أن التدين محاولة للتوحيد بين الشرع وحركة المجتمع ثم ينتقل لربط الشرع بالواقع المعاصر ، كذلك لم تغب فكرة الشورى والمسئولية الجماعية عن منهجه بل ركز عليها كثيراً ففكره تجديدي لم يبدأ في الثمانينيات بل تأسس في الستينيات وتبلور في السبعينات ومنذ ذلك بدأت فكرة الدولة ودورها في صياغة شخصية الجماعة وأهمية القانون في تكوين المجتمع المتصالح مع الشريعة في إستراتيجية الترابي السياسية ، من خلال ذلك يتضح أن قوة فكر الترابي السياسي أصبحت الآن نقطة الضعف فالتيار الاسلامى الحديث الذي أسسه اقتصر نفوذه على التنظيمات الطلابية والاتحادات المهنية والنقابات داخل العاصمة والمدن الإقليمية بينما ظل الريف السوداني يحتفظ بتوازنه السياسي على القوى التقليدية في الأرياف ، إضافة للصراعات الداخلية التي أبعدت الشيخ عن الأبناء مما دفعه لتكوين حزب آخر معتذراً عن بعض الأخطاء التي لازمت السلطة والتي أصبح مؤسسها العدو اللدود لها هذا التخبط السياسي أدى لخلق الكثير من المشاكل التي عانى منها الشعب ولازال يعانى . أما الفكر السياسي للشيخ راشد الغنوشي  يتركز في أنه شيخ الديمقراطية في كل الحركات الإسلامية بل رفضه لمصادرة حرية الرأي الآخر ويعتبر أن الإسلامية صفة وليست احتكار ويعترف بتنوع أشكال الحكم ويربط ذلك بين أحوال الناس ومستوى تطورهم وهذا ما يفتقده فكر الترابي السياسي  ، علاوة إلى أن من أخطر فكر الشيخ راشد هو إعادة إنتاج الديمقراطية وتفسيرها اسلامياً وربطها بالتراث الاسلامى فهو لا يرى ديمقراطية من دون إسلام ولا إسلام من دون ديمقراطية وهذا يتنافى مع فكر الترابي الذي يكره كلمة الديمقراطية ولا يتحدث عنها إطلاقاً  ، أعطى الشيخ راشد مضامين مختلفة للديمقراطية وربط بين كل ذلك في إنتاج فكرى سياسي يقوم على التنمية والتوافق والتراضي ويخرج من كل هذه الفرضيات بأن الديمقراطية  هي الشورى على اعتبار أنها قيمة أخلاقية تصلح للوعظ والإرشاد ولم تتحول إلى نظام سياسي ويعتقد راشد أن الغرب طور الشورى وحولها إلى نظام سياسي وربط بين الديمقراطية والتنمية وانه لا مجال لتنمية حقيقية وديمقراطية صادقة من دون احتواء كل التيارات الثقافية والسياسية في البلاد ، ولا مجال للديمقراطية مع استمرار الإقصاء والنفي على عكس فكر الترابي السياسي الذي اعتمد على الإقصاء والإبعاد لكل طبقات المجتمع عدا المواليه للسلطة مما أدى لإثارة العديد من المشاكل كان آخرها إقصاؤه من السلطة .شق الغنوشى طريقه بهذه الأفكار صدرت عنه وثيقة مهمة بل تعتبر من اخطر الوثائق لحزب النهضة صدرت عن حركة عربية إسلامية معاصرة تقيّم فيها تجربتها الخاصة وتنتقد نفسها مكونة بذلك مدرسة في النقد الذاتي غير مسبوقة في الأحزاب الإسلامية . من خلال هذا الطرح أرى حظ الغنوشي في قيادة المجتمع التونسي أوفر فالوسطية هي الأمثل لتطبيق نظام سياسي لدولة كانت بعيدة عن الطرح الذي تبناه حزب النهضة ، أما الخرطوم تحتاج  لإعادة صياغة لفكر الجماعة وإلا ضاعت هيبة الدولة وتقسمت البلاد أكثر مما هي عليه الآن  وفى كل لابد من الرجوع إلى فهم القاع الطبقة الدنيا المسحوقة ذات الصوت الخافت لابد من تشخيصها ومعالجة مشاكلها والتي غالباً ترتبط بلقمة العيش وعلى الساسة الابتعاد عن التنظير والحديث الجميل وغض الطرف عن بؤر الفساد والتي تبدو صغيره ثم تكبر وهذا بالطبع كما يقول المثل أقرب الطرق إلى الجحيم ، جحيم التسلط الذي ضاعت وذابت فيه الكثير من القيم الحميدة وليعلم الساسة أن السلطات الدكتاتورية لن تمنح الديمقراطية بالمواعظ أو بالتشنيع الخطابي أو التنظير مهما كان ذلك مقنعاً . ثم يأتي سؤال مهم هل تم تطبيق الفكر السياسي وفقاً لما هو مطلوب ؟ وهل أقوال الساسة تتناسب وأفعالهم ؟ وماذا تقول خطابات الأمين العام في الخرطوم ؟ للحديث بقية والله الموفق .

Elfatih eidris [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]