بسم الله الرحمن الرحيم

Elfatih eidris [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
إن ما يشهده العالم اليوم من إنجاز حضارى أمرٌ لم تشهد له البشرية مثيلاً من قبل ، وليس مبلغ العجب فيه انه فى شكله ومضمونه جديد على البشر إذ أن ماضى الانسان القريب والبعيد ملىء بالكثير من الافكار والنظم التى تعتمد عليها حياتنا ، لذلك لا فضل لنا فى معظمها سوى تطبيقها ومع ذلك ليس الجديد هو التطور المتسارع فى حياة البشر بل الجديد هو الطريقة التى يتم بها هذا التطور فقد احدث تقدم العلم الطبيعى واستثمار نتائجه فى خدمة الحياه متغيرات جوهرية فى مسيرة البشر كان اهمها وضع طاقات جباره فى ايدى الامم الغربية التى سبقت بقية العالم الى الثورة الصناعية فتقدمت وسائل المواصلات وتطورت اساليب التجارة والزراعة وكان لابد من اكتشاف الاسواق وضمان موارد المواد الخام فتطورت بالتالى كل ادوات القهر والتسلط من اسلحة ومعدات وانتهت كل هذه المسأله بسيطرة الدول الغربية على معظم شعوب العالم واصبحت هذه الدول الغربية هى التى تصنع الحضارة ثم  تصدر ادواتها واشكالها الى الشعوب الواقعة تحت سيطرتها ومن ثم عمت هذه الحضارة الغربية وادواتها المختلفة كل العالم بحيث يندر ان نجد مكاناً فى العالم لم يصل اليه الراديو او السينما او التليفون او السياره او الطائره او بمعنى آخر إنتشرت التقنية الحديثة فى كل ارجاء الدنيا وقد صحب هذه الادوات التقنية أفكار ومفاهيم إنصهرت مع الافكار والمفاهيم الاجتماعية التى كانت سائدة فى تلك المجتمعات ومن ثم بدأ التحول الاجتماعى الذى مهد له الاستعمار بحكم سيطرته على مقدرات الامم والشعوب ومهد الطريق للكثير من المفاهيم والافكار ان تجد طريقها الى حياة الشعوب المستعمره وتسلك سبيلها الى مناهج التعليم واحكام القانون فحلت بذلك محل ما ألفه الناس فى حياتهم الموروثه من تقاليد وأحكام  ومن مما ساعد على طغيان هذه النظم الغربية ومكن للكثير من مظاهرها على التسلط أنها وليدة حضارة واحدة رغم اختلاف الامم الغربية المتسلطه فإن مما يميز الحضارة الغربية وحدتها الفكرية والروحية رغم اختلاف الشعوب المكونه لها ، هذا فى حين ان معظم الحضارات التى غزتها هذه الحضارة لا يربط بينها الا أوهى الروابط كما هو الحال فى قارة آسيا مثلاً  حيث الحضارة الاسلامية والهندوكية والصينية واليابانية وما اليها مع ملاحظة قلت مثل ذلك فى افريقيا وفى بقية العالم غير الغربى ، وقد ساعد تركز الثروات فى ديار الغرب كما ادى استغلال طاقات الشعوب فى الاستثمار التجارى والصناعى الى هذه الثورة العارمه فى مجال انتاج سلع استهلاكية بأثمان زهيده مما احدث آثاره البعيده فى حياة البشرية جمعاء وكل ذلك يستدعى تحولات كبيرة فى دورة الحياه التقليدية الرتيبه ، ويتطلب ذلك تطوراً حثيثاً فى حياة الناس الفكرية والاجتماعية يتلاءم وتطور  ظروف الحياة المادية ومن ثم انتقال الناس من وضع اجتماعى بعينه الى وضع آخر مختلف عنه . ولم تكن معظم هذه الشعوب التى تستهلك هذه الادوات الحضارية ولا تنتجها وتتأثر بها كل هذا التأثر وتتعرض لكل هذه الهزات الاجتماعية العنيفه التى تتطلب الكثير من الرؤيه والتفكير حتى يجىء التغيير فى هياكل الحياة منسجماً مع حياة الامه متجاوباً مع ضميرها الاجتماعى علماً بأن معظم الشعوب ليست مالكه لامرها بل تمر الان بأدق المراحل حساسية فى حياتها ووجودها ، كان المستعمر المتسلط هو الحاكم بأمره فى مصيرها فهو الذى أتى بأدوات الحضارة وهو الذى راقب ما تحدثه من أثر  وهو الذى سعى الى فرض الحلول لمشاكل هذه الشعوب وفقاً لتجربته هو لا من تجارب هذه الشعوب الاجتماعية وكانت هذه الحلول النابعه من التجرية الغربية تقدم لهذه الشعوب المستضعفه بحسبانها حلولاً انسانية صالحه لكل زمان ومكان يتم كل ذلك على اساس أن هذه الحضارة التى يتحدثون باسمها هى حضارة عالمية وهى الكلمة النهائية وفصل الخطاب فى كل ما يتعلق بالتقدم البشرى ، أليس أصحابها هم سادة العالم وهم المنتجون للحضارة وكل العالم عاله عليهم ؟ أو ليست أدواتهم وآلاتهم ووسائل انتاجهم هى التى تتحكم فى حياة الشعوب وتحدث فيها كل هذه التحولات الاجتماعية الكبيرة ؟ إذن فما الذى يمنع هذه الحلول التى يتقدمون بها لعلاج المشاكل الناجمه عن ألاتهم وأفكارهم من أن تكون هى الفيصل والقدر المحتوم الذى لا يستطيع له الناس دفعاً او يجدون عنه مخرجاً ؟ لقد ظل الناس ردحاً من الزمان وهم يعيشون تحت هذا الوهم الحضارى الذى مكن له الاستعمار بسيطرته على حياة الناس الفكرية والاجتماعية وما يزال الكثير من المتعلمين يرددون شعارات الدعاية الوطنية لامم الغرب التى نجح الاستعمار الغربى فى فرضها على كثير من المتتلمذين على مناهجه التعليمية التى بثها فى مستعمراته ، فإن قيام كثير من النظم الغربية فى ديار الغرب ونجاح الغرب فى فرضها على الكثير من الشعوب المستضعفة لا يعنى عالميتها بل يعنى ان الغرب بحسبانه أعظم المناطق الحضارية حيويه وفعالية فى الوقت الحاضر هو الذى فرض هذا الفهم وكثير من المجتمعات والشعوب خاصة العربية والاسلامية تقبلت هذا الطرح طوعاً او كرهاً بحكم جمودها وتخلفها الحضارى فهى على اقل تقدير تقلد ما يقدمه المتقدمون من البشر وتحسب ان ما صلح لهم يصلح لها خاصة وان هذه الشعوب عاجزه عن البديل إضافة الى ما يأتيهم من الغرب من سلع وبضائع وأدوات صالحه بالفعل لكل الناس مهما اختلفت اشكالهم او تباعدت اوطانهم فالتقنية المعلوماتية فى كل ٍ عالمية لذلك ان الثورة العلمية التى تفجرت فى الغرب فى العصور الحديثة منحت امم الغرب القوة التى فرضت بها سيطرتها وافكارها على  بقية شعوب العالم وهى العنصر الوحيد فى هذه المظاهر الحضارية إن التقدم العلمى الذى اسهمت فيه البشرية وطورت اساليبه كافة الشعوب هو العامل العالمى فى هذه الحضارة السائده أما تقارب وجهات النظر فى كثير من القضايا الفكرية والاجتماعية التى تصدر عن أمم الغرب كأنها رجع الصدى لعامل واحد مشترك فليس مرد ذلك الى الزعم القائل بأن تطبيق ادوات العلم على حياة الناس يصدر عنه بالضروره ما صدر فى حالة التجربة الغربية ومن ثم يكتسب عالميته وحتميته الموضوعية وانما مرده الى وحدة الحضارة الغربية النابعه من التراث اليونانى والرومانى المشبع بالافكار المسيحية مع ملاحظة ان كثير من الافكار الاوربية فى المسلك وفى الحياة الاجتماعية عباره عن صدى راجع من منابع حضارتهم القديمة فظروف الغرب الحضارية والتاريخية والجغرافية والبشرية كان لها النصيب الاكبر فى منح حضارتها مظهر التوحد الذى برز به العالم وكان التقدم العلمى والصناعى الذى بسطت به سطوتها على العالم بمثابة النهر الجارف الذى يحمل الرى للناس ولكنه بالمقابل ينقل على صفحته الطمى والاعشاب وهى ادوات وافكار تتغير بتغير المناطق والاقوام الذين يمر بهم النهر ،ان انحسار المد الاستعمارى المباشر فى كثير من بقاع العالم تبعه بالضروره انحسار الافكار المضلله التى زرعها المستعمرون فى عقول رعاياهم حتى يضمنوا السيطرة الفكرية على حياة الناس ويشكلونها بطريق غير مباشر بحيث يضمنون استمرار مصالحهم القومية باستمرار نفوذهم الحضارى على عقول الناس وحياتهم ومن اولى هذه الافكار المضلله اعتبار تجربة الغرب الذاتية فى مجابهة  تحديات الثورة العلمية والصناعية تجربة موضوعية عالمية التطبيق على كل الناس يجب اتباعها وتقليدها لحل كل مشاكلهم القومية مثلاً ان فكرة ديمقراطية الحكم فكره انسانية قديمة سعى الناس الى تطبيقها منذ عهد الاغريق لفرضها كنظام سياسى والنظام البرلمانى ما هو الا تطبيق لهذه الفكره وطبقتها الدول الاوربية بصوره حسنه ولكن حين انتقلت الينا فى كثير من دول العالم الثالث صور لنا وكأنها الحل النهائى لمشكلة الحكم وتبين لنا وللغرب معاً سطحية هذا المبدأ ، وأدركنا ان ما أنجزه غيرنا فى مجال العمل السياسى والاجتماعى لا يعفينا من مهمة السعى والتجريب للوصول الى ما يصلح لنا ويتجاوب مع ظروفنا ويتلاءم مع  تجربتنا الحضارية مستفيدين من تجارب غيرنا من الشعوب وما إكتشفنا قصوره فى المجال السياسى يمكن ان نكتشف غيره فى مجالات حياتنا التعليمية والقانونية والاجتماعية ومعظمه نابع من تجربة غيرنا فرض علينا فرضاً كنظام موضوعى أمثل وأشمل علماً بأن كل ذلك يعتبر نظام ذاتى يعبر على أحسن الفروض عن حالة القوم الذين نقلنا عنهم أو نقلوه الينا وقد يكون فى تراثنا ما هو خير منه وأصلح لحاجتنا منه ولكننا صرفنا عما عندنا لنأخذ مما هو دونه إننا نعيش فى كثير من الاحيان بمفاهيم ونظم نابعه من حياة غيرنا بحكم التسلط الاستعمارى الذى جثم على صدورنا حقبة من الزمن فإنفصلنا بذلك عن مصدر أصالتنا وروح تراثنا الذ    ى مايزال حياً فى أعماق شخصيتنا وما اصابنا من تمزق وقلق وتخبط سببه انصرافنا عن تراثنا القائم على القيم الاسلامية السمحة ويحسب البعض ان الرجوع لهذا التراث هو رجعه للوراء وهم محقون فى ذلك لان الرجعه للماضى وحدها لاتحل قضايا الحاضر ولا تسهم فى بناء المستقبل ولكننا إن أردنا التقدم الحقيقى فلابد من ان نبدأ من حيث انتهينا اننا نرجع الى طريقنا القديم لا لنرجع به للوراء ولكن لنواصل منه السير فى الطريق الحضارى الذى يتصل فيه ماضى الامة بحاضرها مستعينين فى ذلك بثمرات العلم والمعرفة من منطلق قيم حضارتنا حتى نحقق ما حققه الغربيون فى نهضتهم الاخيره حين رجعوا لماضيهم فى القرون الوسطى بعد ان سلكوا سبيل الحضارة الاسلامية فترة من الزمن أنارت فى نفوسهم روح البحث عن الذات حتى اهتدوا الى هذه الصيغة التى يلتقى فيها الماضى بالحاضر وتحققت لهم الشخصية القومية ، وبها سلكوا طريق البحث والمعرفة هاديهم تراثنا الاسلامى الذى أخذوا من معينه الذى لا ينضب ، فالاجدر بنا ان ننتسب الى نظام يتفق وعقيدتنا وتقاليدنا ومثلنا العليا وان نبحث وسط عالم لا يحترم غير القوة عن اسلوب نسترد به للاسلام قوته فنطهر به القلوب ونحكم به الحياه ولن يكون ذلك بالاستسلام لاى مذهب او نظام اذ ان مرونة الاسلام وعظمته قد استوعبت جميع الثقافات والانظمة فى نشأته الاولى وتمت حركة التأليف والترجمة والعلوم تحت راية التفتح العقلى للمسلمين الاوائل .