بسم الله الرحمن الرحيم

أكثر الكلمات والشعارات تداولاً فى ثقافتنا هى الكلمات المتعلقة بالحرية والديمقراطية فما هو موقعها فى حياتنا ، وكيف نفهمها ونتعامل معها إن وجدت ؟
الحديث عن الحرية كثير فى الثقافة السودانية المعاصرة ، ولكن أكثره يدخل فى أدبيات السياسة ويدور حول قضيتين إثنتين لا يكاد يتجاوزهما الاولى حرية الفرد فى مخالفة الحكومة ونقد سياساتها ، والاخرى حق الجماعة فى تقرير مصيرها السياسى بإرادتها المستقلة عن ضغوط الاخرين ، ومع أن هاتين القضيتين تشكلان بغير شك جزءاً مهماً من أجزاء الحرية .. فإن إنحسار البحث والاهتمام فيهما من شأنه أن يحرم قضايا أخرى لاتقل عنهما اهمية وإتصالاً بجوهر الحرية من أن تنال حظها الضرورى من عناية الرأى العام والمجتمع كله ، وفى تقديرى أن هذا  الانحسار فى بلادنا يرجع الى ان السودان قد واجه خلال مساره السياسى مشكلتين اساسيتين إستغرقتا اهتمام مفكريه وساسته وحكامه ، الاولى مشكلة تأسيس السلطة واقامة نظام دستورى تتحدد فية سلطات الحكومة وحقوق المحكومين ، ولذلك إرتبطت الدعوة الى الحرية إرتباطاً وثيقاً بالدعوة الى وضع الدستور و إحترامه ، والمشكلة الثانية تحقيق الاستقلال وتثبيت السيادة الوطنية فى مواجهة الاستعمار الاوربى واعنى الانجليزى الذى خضعت له أكثر أجزاء القارة الافريقية ولم يكتمل التحرير منه شكلياً على الاقل الا فى أعقاب الحرب العالمية الثانية ولهذا إرتبطت الحرية فى العقلية السودانية شأنها شأن البلاد الاخرى إرتباطاً وثيقاً بتحقيق الاستقلال الوطنى . وقد ترتب على إرتباط قضية الحرية بهذه الملابسات التاريخية ذات الطابع السياسى مجموعة من النتائج السلبية لا يزال السودان يعانى من أثارها الان ، منها إن رؤية الكثيرين من مثقفينا والمشتغلين بالعمل السياسى للحرية رؤية مجزأه لا تكاد تعتنى بالبحث عن الاصول الفلسفية والاخلاقية لحرية الانسان ، لذلك ظلت النظره السائده  للحرية فى مجالاتها المختلفة ترى فيها جزءاً من النظام السياسى ولا ترى فيها قيمة اساسية مرتبطة بالتصور الكلى للانسان وطبيعته وعلاقاته ، وفى ظل هذه النظره يكون من السهل على الفرد أن  يعتدى على حرية الاخرين أو أن يفرط فى ممارسته لحريته هو نفسه ، وهذا الاعتداء على حريات الاخرين مسلك يتعرض للوقوع فيه الحكام والمحكومين على السواء . فقلة من الحكام من يتردد فى الظلم على حريات الاخرين ، إيماناً منه بأن الظلم لا يجوز . وأن إحترام هذه الحريات جزء اساسى من أجزاء الالتزام بالعقد الاجتماعى الذى يربط الحكام بالمحكومين وأنه فوق ذلك جزء من النظام الاخلاقى الاساسى للجماعة . وقلة من المحكومين من تتجاوز رؤيته للحرية حريته هو أو حرية جماعته الصغيرة أو حزبه السياسى أو طبقتة الاجتماعية .. وبذلك يغدو الدفاع عن الحرية عنده جزءاً من الدفاع عن مصالحه الذاتية وما أكثر هذه الفئه الان علماً بأن ذلك لا يتوافق مع القيم الانسانية الاساسية للمجتمع ، وهذا هو الذى يفسر مسلك كثير من الافراد والجماعات حين يقيمون الدنيا ويقعدونها عندما تمس حرياتهم خاصة الذين ينتمون للحزب الحاكم ، ثم لا يتحرك لهم جفن ولا يسمع لهم صوت حين تمس حرية  غيرهم ، أو تتعرض لاقسى أنواع المصادره والاعتداء إن التفسير الوحيد لهذا الفصام السلوكى أن الحرية لم تدخل بعد فى دائرة القيم الاساسية للفرد وللمجتمع . إن من النتائج المحزنة التى ينبغى على الاقل أن نملك  شجاعة الاعتراف بها أن كثير من الفئات الحزبية القريبة من النظام السياسى تنتهلك حريات الاخرين بصوره مزعجه وتحتكر كل اللجان التنظيمية السياسة والادارية وليس لغيرهم كلمة ولا رأى بل صاحبة الامر والنهى بحجة أن المسوؤلين منها هم حماة التنظيم السياسى ولا مكانة للاخرين معهم ، وظهرت الاعتداءات متصلة على حقوق الاخرين وحرياتهم ، علماً بأن قيام التصور الاسلامى للانسان على اساس من تقديس حريته بإعتبارها رمز انسانيته وأساس تميزه ومحل تكليفه ومسئوليته ، ومن النتائج أسقاط الاهتمام بالحرية وممارستها خارج ساحة العمل السياسى والحياة السياسية ولهذا يكثر بيننا من يعدون أنفسهم ويعدهم الناس من أبطال الحرية والمدافعين عنها فى الحياة السياسية، ومع ذلك نراهم يتخذون أِشد المواقف استهانه بالحرية  تبريراً لمصادرتها حين يتصل الامر بالتربية أو التعليم  أو بالعلاقات الاسرية والاجتماعية  وهذا تناقض لا يتصور ان يقوم بمثل هذه الحده الصارخة فى امة ترى فى الحرية قيمة عامة ترتبط بتصورها الاساسى للانسان . إن إحترام حرية الانسان فى أن يفكر لنفسه ، ويقرر لنفسه وأن يحدد معالم شخصيته الذاتية داخل الاسرة  وفى حجرة الدراسة وفى قاعات البحث وساحات الحياه الاجتماعية ، هذا الاحترام لا يمكن ان ينفصل عن احترام الحق فى المخالفة السياسية وتقرير المصير السياسى ، إن الذين يصرون على وضع فكرة الطلاب والدارسين فى قوالب من حديد يصنعها لهم معلموهم والذين يصرون على ان الشباب خارجون ومارقون وصائرون الى فساد عظيم اذا هم خالفوا جيل الكبار فيما كبر او صغر من مناهج تفكيرهم واسلوب حياتهم والذين لا يرون فى المرأه الا عوره ينبغى أن تستر وناقصة عقل لا ينبغى ان يسمع لها رأى  ،أولئك جميعاً لا يمكن أن يكونوا مؤمنين بالحرية فضلاً عن أن يكونوا من أبطالها مهما شقوا الحناجر دفاعاً عن حرية المعارضة السياسية  إن نظرة كثير من المدافعين عن الحرية لا تزال نظرة رومانسية خلفتها فترات الكفاح السياسى لاقامة حكومات دستورية ، لذلك غابت عن تفكيرهم رؤية الوظائف الحقيقية التى تؤديها الحرية فى الحياتين السياسية والاجتماعية ولهذا السبب نرى فى اصحاب السلطه فى الجماعة كلها أو فى الاسره أو غيرهما من لا يزال ينظر للحرية على أنها شرٌ لابد منه وثمن يدفعه مضطراً درءاً لشرور أكبر وأخطر ، دون أن يمتد بصره الى المنافع الايجابية الهائله التى تحملها الحرية فى ركابها مما أسماه البعض نِعَمُ الحرية ، الشاهد إن إستعراض نِعَم الحرية وثمراتها الطيبة المحققة لا يتسع له حديث واحد مهما إمتد ، ذلك إن  هذه الثمرات تتنوع من ميدان الى ميدان وتتعدد من حرية الى حرية وحسبنا إن نقرر فى ذلك أصلاً عاماً وان نضرب فى ظله عدداً من الامثله ، أما الاصل العام فهو أن الانسان المكبل الفكر والمقيد القول والمغلول الحركة والخائف من عواقب حريته فى تلك الميادين كلها لايمكن أن يعطى الوجود من حوله الا فتاتاً ضيئلاً خالياً من القيمة مجرداً من الخصوبه منقوص الوجود ، فالخائف لا يحسن التفكير ولا يقدر عن التعبير ولا تثبت له قدم فى أى خطوه أو حركه ، لذلك هيهات هيهات أن يبدع فى عطائه أو تتجلى فيما يقول ويفعل يد الحكمة والقدرة التى أودعها الله فى بنائه ، نحن أمه مسبوقه فى العلم والصناعة والتطور التكنولوجى كساؤنا ودواؤنا وسلاحنا لا نصنعه وعلاقاتنا مع من حولنا مأخوذه بالدهشه لذلك لا يتصور عاقل ونحن على هذه الحال ان  نعمد الى البقية الباقية من حرية الاحرار فينا  فنحاصرها ونطوقها ونأخذ بخناقها من كل جانب ونحيط حياة الجيل كله بألوان وفنون من الاغلال فنقتال بذلك فرصة الابداع ، كذلك هل يتصور عاقل ونحن على هذه الحال أن تظل نظمنا التعليمية والتربوية قائمة على الحفظ والتلقين والطاعة العلمية التى لا مشاركة فيها ولا حوار فتضمر ملكة الابداع والابتكار وتتراجع تحت ركام المحفوظات مواهب الكشف عن الابداع ، هل يتصور عاقل أن نقهر جيلاَ بأكمله من الشباب لا نحن نعطيه القدوه ونقدم له المثال ، ولا نحن نحل له عشرات المشاكل الكبيره التى نعلم ويعلم أنها  تأخذ بخناقنا جميعاً شباباً وغير شباب ولا نحن بعد ذلك كله نسلم له بحق التجربة وممارسة الاجتهاد ... وانما نردد فى إطمئنان غريب قول شاعر عربى قديم كان يرى الفخر كل الفخر أن يقول :-
" وينشأ ناشىء الفتيان فينا               على ما كان عوده أبوه "
وننسى فى غمرة الضعف الوجدانى امام الشعر والسجع وإيقاع الكلام أن الاب لم تعد حياته تتسع ليعود ابناءه ما كان هذا الشاعر إن صدق يعود ابناءه ، ونتجاهل ان ناشىء الفتيان فى هذا الزمان تتناوله أجهزة تعليم واجهزة ثقافة واجهزة اعلام ووسائل إتصال وتأثير طويل وعريض ، وأن الجيل الجديد لو نشأ على ماعوده ابوه لا يتجاوزه ولا يعدوه لما تمت حركة ولا وقع تطور ولا تحقق أصلاح ، وهل يتصور عاقل فى النهاية أن تعزل الشعوب عن قول رأيها فيما يختار لها من طريق وما يتخذ باسمها ولحسابها من قرار وأن تنفرد قله من اصحاب السلطة والنفوذ ؟ ألا ما أكثر فرص الرشد التى تضيع حين ينفرد واحداً أو تنفرد جماعة قلة بكل قرار حين لا ترى الجماعة فيما يعرض لها من أمر الا التسليم ، وليت الذين يتحدثون بحسن نيه عن حاجتنا الى المستبد العادل يذكرون ان الشورى فى اصلها اللغوى تعنى إستخراج العمل من خلاياه والشورى فى جوهرها العلمى هى طلب الرشد عن طريق استخلاص الرأى من اصحابه وليتنا ندرك ان حق الاقتراع واختيار الناخبين والتصويت على القوانين والقرارات يستحيل الى اشباح باهته قريبه من العدم اذا لم يسبقه تعدد فى الاراء ، وتسابق  الى عقول الناس وقلوبهم بهذه الاراء ، اما التصويت والقرارات فى غيبة تعدد الاراء فانه بحق اشبه بسباق بغير جياد ، هذه دعوه الى كتابنا ومثقفينا ان يعيدوا تقييم موقفهم من قضايا الحرية واسلوب تناولهم لها وأن يبدأوا رحله جديده لربط جزئيات الحرية وتسليط الضوء على وظائفها حتى لا تبقى فى وجدان الجماهير مجرد شعار يتنفسون به عند ضيق الصدور ثم لا يلبثون أن يفرطوا فيه أو يضيقوا به عند اول بادره لضغط أو إغراء فالحرية أكبر مما نتصور .
Elfatih eidris [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]