بسم الله الرحمن الرحيم

في ليلة انقطع عنى فيها كل حبال الوصل وتاهت نفسي في ذكرى أيام خلت مليئة بالذكرى التي عطرت حياتي فرحاً تارةً وتارة أخرى حزناً وألماً ، وعلى طاولتي المتواضعة كتاب يعلو مجلة هما زادي في تلك الليلة وقناعتي تخبرني بأن الناس مختلفون في  طريقة فهم  من حولهم يستخدمون كل وسائل الفهم للتواصل مع الآخرين جميعهم يحاولون الرجوع إلى الماضي ليبحروا في طياته ذاكرين اياماً جميلة ذهبت دون رجعة ، اياماً كان الشباب فيها يافعاً تواقاً للمعرفة في ذلك الزمن عشقت الكتاب الذي وجدت فيه متعة المصاحبة عرفت فيه الطموح كونت به العديد من العلاقات مع كُتاب لم أراهم ولكني اعرفهم من خلال كتاباتهم جالستهم وآنستهم فكانوا نعم الأنيس ونعم الرفيق . بالإطلاع تؤسس المعارف وتنمى الثقافة  وجال خاطري بذكر مجموعة من الكتب عناوين مشهورة تذكرت رجال حول الرسول الذي قرأته منذ زمن طويل وجدت فيه حماسة منقطعة النظير ومتعة وقدوة حسنة . علاوة على كتب الإصلاح الادارى والتعليمي والسياسي وكنت اهتم بها كثيراً لاننى  أتوق للإصلاح الذي به أتذوق قيمة الحياة .شيخ الكُتاب المنفلوطي صاحب النظرات والعبرات يالها من متعة تحضرني ذاكرتي بكتاب وحى القلم لمصطفى صادق الرفاعى مجلداته تزين مكتبتي المتواضعة . كذلك اذكر اننى استلمت مجموعة من الكتب مجاناً شدني كثيراً كتاب يحمل عنواناً غريباً في ذلك الزمن "لماذا اعدم سيد خطب ورفاقه " قرأته بنهم بالغ وكنت أحس وانا أتجول في طيات صفحاته كأنني أتناول طعاماً مراً سجلت أحداث هذا الكتاب صور مؤلمة حزينة لمجموعة من المعذبين في الأرض نحتت في ذاكرتي العديد من المعاني الظلم القهر التسلط ، علمت منذ الصغر محاربة الفكر وكنت دائماً أسأل نفسي لماذا يحارب الطغاة الفكر؟ ومثل ذلك حدث عندما أعدمت السلطة الشيخ محمود محمد طه وأعدم وأصبح فكره منشوراً على صفحات كتبه . كل هذه الكتب دارت بذاكرتي في لمحة وقفت فيها مع صاحب صبح الأعشى والنويرى وابن العميد والمعرىء وبروفيسور عبد الله الطيب المجذوب والمحجوب والأستاذ الشاعر إدريس جماع والمتنبئ وابو فراس الحمداني وغيرهم من الشعراء والأدباء والفقهاء ذكريات توالت تباعاً  لتشبع نفساً عطشى تحتاج للمزيد من المعرفة . وقفت لحظة مع بعض الكتب الحديثة  وفى ذاكرتي الكثير عن الثورات التي اجتاحت العالم العربي أسبابها ودوافعها تذكرت كتاباً لمناضل افريقى كان مثالاً رائعاً لحاكم رائع تحدث فيه عن تجربته مع الحرية نلسون مانديلا تجربة عميقة ذات معاني رفيعة جعلته تواقاً للحرية مشتاقاً للديمقراطية في بلد كانت السيادة فيها للأبيض أفنى عمره في النضال والكفاح ليحقق لشعبه حريته وعندما نالها حكم بلادة لدورة واحدة اكتفى بها وختم تاريخه السياسي وأصبح رمزاً من رموز دولته محل احترام وتقدير كل العالم شتان بينه وبين من خدم بلاده خمسين عاماً دون أن يحدث فيها أي تغيير , وأنا أبحر في عالم الفكر السياسي حاولت أن أتذكر وزراء ألفوا كتب سجلوا فيها تجاربهم بصورة جعلتهم محل التقدير والاحترام علما بأن عادة الكتابة قديمة والتاريخ حافل بمجموعة من السجلات القيمة لحكام سادوا ثم زالوا ولكن أصبحت مذكراتهم سجلاً لتجارب قيمة دفعت القراء لقراءتها والاستفادة منها . هذا إلى جانب الكتب مثلت المجلات والتي كنت اقرأها من الغلاف للغلاف مجلة العربي البيان الأمة الوعي الاسلامى بل اشتركت في بعضها والتي تصل إلى مقر عملي بانتظام . والذاكرة تحمل الكثير يعقوب ومحمد هارون وغيرهم من الأصدقاء الذين تشرفت بمعرفتهم جوار مسجد الخرطوم  يعرضون كتب قيمة للبيع بأسعار مريحة وكانوا جميعهم على درجة من الثقافة هذا المكان كنت لا أغيب عنه ابداً زيارته كانت عند آخر كل شهر بعد صرف المرتب البسيط الوافي الذي كان مباركاً فيه تزوجنا منه تعلمنا وعلمنا منه وشتان بين الأمس واليوم . واذكر اننى مع مجموعة من زوار هذا المكان تقدمنا باقتراح لولاية الخرطوم بتخصيص شارع معين يعرض فيه هؤلاء الباعة كتبهم ووضحنا أن هذا النهج الراقي الحضاري في كل العالم . وللأسف الشديد لم يهتم بذلك احد بل قامت ولاية الخرطوم آنذاك بتصنيع دواليب من الحديد وزعت عليهم نظير مبلغ يدفعونه مما دفعهم لترك هذه المهنة الظريفة التي لا يمتهنها إلا مثقف رحلوا جميعاً وحلت محلهم الحافلات تابعتهم جوار البوسته في الخرطوم بحري وفى أم درمان . فجاءة انقطع فكرى وداعبني النعاس وأدرت وجهي للحائط امامى ولم اسمع بعد ذلك إلا آذان الفجر وصوت ديك قادم من بعيد معلناً مولد يوم جديد .

Elfatih eidris [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]