بسم الله الرحمن الرحيم


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بعد ثمانى سنوات من الحرب الضروس مع العراق وافق الامام الخمينى قبيل وفاته على قرار وقف الحرب الايرانية العراقية واصفاً قراره بالموافقة على وقف الحرب  (بأنه كالذى يتجرع السم ..!!!) كناية عن صعوبة هذا القرار خاصة وقد سالت دماء الملايين من الايرانيين فى تلك الحرب اللعينة ,  وفى العام 1961م  سحب السوفيات صواريخهم من كوبا بعد أمر الرئيس الامريكى آنذاك جون كينيدى  بفرض حصار بحرى على كوبا  وقام بنشر بوارجه وسفنه الحربية حول الجزيرة الكوبية  ونجت البشرية حينها من حرب نووية لا تبقى ولاتذر بعد تعهد الامريكان بعدم غزو كوبا وسحب الروس لصواريخهم النووية .. هنالك بالطبع الكثير والكثير  غيرها من القصص والمواقف التى تبين أن دماء كثيرة قد تم حقنها وموارد قد تم حفظها  بفضل حكمة وبعد نظر قادة عظام هنا وهناك يتسمون بالحكمة وبعد النظر وعدم الارتهان للراهن اللحظى  بل مد البصر والرنو بثقة وأمل للمستقبل ....فهل يتوفر للسودان فى هذه اللحظات التاريخية الفارقة والحرجة والخطرة من تاريخه بعض من طينة هؤلاءالقادة العظام فى الحكومة والمعارضة معاً من الذين يتعالون على أناهم ويتغلبون  على نرجسيتهم وينظرون إلى مصالح بلادهم قبل أن ينظروا إلى مصالحهم الشخصية والحزبية.!!! ..

مايدعونا لقول ذلك هو أن السودان أصبح أمام خيارين لاثالث لهما  إما التغيير سلماً عبر التراضى والحوار والتنازلات والمساومة التاريخية والقبول بالآخر بين مكونات المجتمع السودانى وعلى رأسها الحكومة والمعارضة أو التغيير العنيف حرباً عبر الثورة الشعبية التى لن تكون سلمية بأى حال من الأحوال بالنظر إلى حجم التراكمات من المظالم والفوارق الطبقية وانتشار البطالة بين الشباب ويندرج ضمن هذا الخيار تمدد الجبهة الثورية والذى يعنى قيام حرب اهلية شاملة لاتبقى ولاتذر وتقسيم السودان تماماً كيوغسلافيا السابقةأى إلى خمس أو ست دويلات مع إستعداد دول الجوار لإلتهام الاطراف وقد بدأت فى ذلك بالفعل شمالاً وشرقاَ ...!! 

الخيار الافضل والاسلم للسودان وأبنائه وأرضه وموارده وحق اجياله القادمة فى الحياة الحرة والكريمة هو خيار التغيير سلماً عبر الحوار والتراضى ولكن هذا الخيار دونه أهوال ومخاطر وعقبات كالجبال الرواس فمن ناحية الحكومة يبدو أنها ليست على قلب رجل واحد فى مبادرة الحوار الوطنى التى ابتدرها رئيس الجمهورية فهنالك العديد من الاشارات السالبة المحبطة التى دأبت على إرسالها بعض مراكز القوى وكلها تمضى فى إطار وضع المتاريس والعصى أمام عجلة الحوار الوطنى ومنها إعتقال الامام الصادق المهدى وإبراهيم الشيخ رئيس حزب المؤتمر السودانى وبعض طلاب جامعة الخرطوم وإغلاق الصحف إلخ .. كما أن رؤية المؤتمر الوطنى لإتجاهات ومآلات الحوار الوطنى غير واضحة حيث تساور العديد من القوى السياسية المخاوف من أن المؤتمر الوطنى إنما يريد بالحوار الوطنى إبتدار مرحلة جديدة من حكمه تحت مظلة مشاركة أوسع يحتفظ فيها بمكاسبه ونفوذه ويحافظ فيها على تماهى حزبه مع الدولة السودانية وتغلغله فى كل مفاصلها أى يرغب فى ( نيولوك ) كما يقولون مع الاحتفاظ بالجوهر ... !!!

أما من ناحية المعارضة فإن عتاة المعارضين فى التحالف المعارض يريدون حواراً يفضى إلى قيام المؤتمر الوطنى بتسليم السلطة كاملةً لهم ويشترطون  الموافقة مسبقاً – أى قبل الحوار - على كل ماينبغى أن يندرج خلال الحوار .. يقولون ذلك وهم يعلمون بأنهم إنما يقوون التيار الرافض للحوار داخل المؤتمر الوطنى بل والكاره أيدولوجياً لمعظم مكونات تحالف المعارضة وهم بذلك إنما يصبون الزيت على النار ويفتحون أفق البلاد نحو المجهول ..وفى واقع الامر فإن بعض مكونات المعارضة تدرك بأن لاحظ لها فى التأييد الشعبى ولن تحظى بعدد مقدر من المقاعد البرلمانية  فى أى إنتخابات ديمقراطية قادمة ولو لم تشوبها شائبة ولذلك فهم يحلمون بإمتطاء حصان الثورة الأبيض لتحقيق طموحاتهم والإيتاء بهم إلى سدة الزعامة الشعبية بدون عنت التودد والتقرب إلى الشعب باللغة التى يفهمها وتقنعه ... وهم فى ذلك لا يختلفون فى شئ عن صقور الانقاذ بل هم فى واقع الامر وجهين لعملة واحدة ....أى مجرد مجموعة من  الإقصائيين والإستئصاليين و غلاة المؤدلجين !!!

وحدهما حزبى الامة والشعبى كانا الاكثر عقلانية فى إدراك المخاطر التى تتناوش البلاد والأخطار الإقليمية والدولية التى تحيط بها فضلاً عن المعادلة الداخلية الساخنة بالبلاد  ولذلك أقبلا على الحوار بهمة وإخلاص وصبر وثقة فى الله والنفس , وإن كان لاعتقال السيد الصادق أثر فى مراجعة حزبه لمواقفه من الحوار إلا أن الأمل فى أن تسعف الحكمة المعهودة السيد الصادق قى مواصلة الحوار ودفعه ورفده بالخيارات والحلول التى تخرج البلاد من أزماتها المتطاولة ..

الحوار الوطنى رغم كثافة عقباته والمشاكل التى تتناوشه يمكن أن ينجح فى حال حظى الحوار بقادة عظام كاؤلئك الذين ذكرناهم فى مستهل المقال وفى حال أن يدرك طرفى الحوار بأن لافائز ولا مغلوب فى هذا الحوار بل فالكل فائز والاهم من ذلك فالوطن هو الفائز الاكبر ..عندما قال أحمد منصور - مقدم برنامج بلاحدود بقناة الجزيرة القطرية – للشيخ راشد الغنوشى بأن النهضة قد خسرت بتنازلها عن الحكم مرتين وهى صاحبة الأغلبية وبتنازلها عن بعض النصوص فى الدستور أجابه الشيخ راشد الغنوشى مبتسماً "ولكن المهم أن تونس قد ربحت"... وهاهى الايام تكر مسبحتها ويتهيأ التونسيون لانتخاباتهم القادمة تحت ظل دستورهم الوفاقى والنهضة تتأهب للإنطلاق من جديد ولكن برضاء الجميع فى تونس بل والعالم أجمع ..ما أحوجنا لمثل هذا النموذج الراقى فى الأداء السياسى بدلاً من التهريج الذى نمارسه هنا وهناك ...!! ولكن بعد ذلك كله هل يفاجئ أهل السودان وطبقتهم السياسية العالم كما فأجاؤه من قبل فى ثورة أكتوبر وثورة إبريل  بالتغيير والاصلاح ولكن على الطريقة السودانية التى تتعالى وتسمو فوق الجراح والثأرات وتتفق وتتماهى مع الروح السودانية الاصيلة المتسامحة والتى تنحو للتعافى والتصافى والتآزر فى لحظات المحن والشدائد بعيداً عن خراب العباد والديار كما حدث ويحدث فى سوريا والعراق واليمن ومصر وليبيا  ..!!