بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
إرتبطت مدينة كسلا بل ولاية كسلا فى الذاكرة السودانية بالخضرة والجمال والوجه الحسن كما إرتبطت بالختمية والسيد الحسن أبوجلابية .. أما الشعراء فقد كتبوا عن جمالها وتغنى المغنون بالقاش والفراش  والخضرة والضفاف وطيبة أهلها ..... اما العرسان فقد وفدوا عليها زرافات ووحدانا قبل ان تسحب عروس البحر الاحمر "بورتسودان" مؤخراً منها البساط بنظافتها وأناقتها وعنفوانها الجديد ومواسمها وعجائبها التى لاتنقضى .. ما لايعرفه الكثير من السودانيين عن كسلا أن الزراعة تشكل عصب الحياة فيها  وخاصة فى مدينة كسلا فهنالك السواقى الجنوبية والسواقى الشمالية وهنالك البادوبة واللفة والجيرة وهناك سلام عليكم وجمام  والقاش الذين يجاورونها ويمتد إليهم نشاط مزارعيها المهرة الذين يمارسون الزراعة بمهنية وحرفية عالية بل يتوارثونها أباً عن جد فهم مزارعون بالميلاد ....
الزراعة التى هى عصب الحياة بالمدينة ومدار الدورة الاقتصادية بها تعتمد فى المقام الاول على محصول البصل الذى تجود زراعته فى كسلا ويعتمد عليه معاش الآلاف بل عشرات الآلاف من المزارعين وأسرهم فى بقية العام فماذا حدث هذا العام ..؟؟؟  زرع المزارعون فى هذا العام قرابة الثلاثين ألف فدان بمحصول البصل مدفوعين بإرتفاع أسعاره فى العام الماضى وقد ساعدت برودة الشتاء الاستثنائية هذا العام فى نجاح المحصول بصورة كبيرة جداً من ناحية الكم والكيف فقد وصف لى محصول هذا العام أحد المزارعين بالولاية بأنه كالتفاح أما الانتاجية فتقدر بحوالى 4مليون جوال بصل  أى 2مليون أردب بصل .... هذا حسن فالانتاجية إستثنائية وتاريخية بكل المقاييس فماهى المشكلة إذن ..؟؟
المشكلة بل الكارثة الاقتصادية تكمن فى ان الاسعار بدأت بصورة جيدة جداً ومشجعة للغاية فى بداية الموسم حيث بلغ سعر الاردب (أى الجوالين من البصل ) 1200ج فى شهر نوفمبر الماضى إلاّ أن الاسعار مضت فى إتجاه الانخفض الشديد الشهر تلو الشهر إلى أن بلغت مرحلة الانهيار التام هذه الايام التى بلغ فيها سعر الاردب 80ج نعم  ثمانون جنيه فقط لاغير أى حوالى 7% من أسعار بداية الموسم ..ولكى ندرك عظم حجم الكارثة التى تهدد الآف المزارعين بل وإقتصاد الولاية بأكمله يكفى أن نعرف بأن تكلفة إنتاج الجوال الواحد من تقاوى وشتول وسماد ومبيد وعمليات زراعية وجازولين أو كهرباء وخيش وتكلفة حصاد يدوى تبلغ زهاء المائة وعشرون جنيه بينما يبلغ سعر البيع للجوال حالياً خمسة وخمسين جنيه أى يخسر المزارع خمسة وستون جنيهاً فى كل جوال تقريباً ...
هذه الخسارة الكبيرة غير المسبوقة تعنى أن المزارعين لن يستطيعوا الإيفاء بالتزاماتهم تجاه مدخلات الانتاج التى إعتادوا شرائها بالاجل ولن يستطيعوا الايفاء بمستلزمات الحياة ولن تشهد كسلا زيجات جديدة وأفراح كما كان يحدث فى نهاية كل موسم زراعى بل سيواجه المزارعين بالدائنين والبنوك بل والسجون ...
المزارع فى كسلا قام بواجبه فى سكب الجهد والعرق وإستفراغ الوسع فى زراعة كل الاراضى المتاحة وبارك الله له فى المسعى فجاءت الانتاجية إستثنائية فى هذا العام إذ ربما تتجاوز الاربعة مليون جوال كما ذكرنا ..... ولكن تدور هنا أسئلة حيرى إذ ماهو دور الاجهزة المختصة فى الولاية من قبيل  وزارة الزراعة وإدارة الاقتصاد الزراعى التى كان من واجبها إستقراء الانتاجية المتوقعة وتوفير مواعين التسويق الداخلى والخارجى بل والتصنيع لهذه الكميات الكبيرة لا أن تترك المزارع البسيط يعاظل مشاكل لاقبل له بها ولا توقع منه لها بل أين والى الولاية وأين وزير المالية مما يجرى بل أين مجلس الولاية التشريعى الذى يفترض أنه يمثل المواطنين بالولاية وبالطبع مزارعى الولاية فى قلبهم ..؟؟؟ هل تمت أى محاولات لايجاد مواعين للتصدير إلى دول الجوار أو دول الخليج وما هى نتائجها ؟؟؟؟...
ثم ماهى حكاية مصنع البصل المتوقف عن العمل بكسلا لسنين عدة خاصة أن المصنع  يمتلك مبانى وأراضى تعد ثروة فى حد ذاتها إذ تبلغ مساحة أراضى المصنع المملوكة له زهاء الثلاثة ألف فدان فضلاً عن مبانى مكتملة وبحالة جيدة كل ماينقصه هو المعدات والماكينات وهذه يمكن الجصول عليها بتكثيف الترويج والاتصالات الخارجية والداخلية بل يمكن لصندوق إعادة تنمية شرق السودان الاضظلاع بهذه المهمة إذ لديه تجارب ناجحة فى توفير التمويل للعديد من المشاريع بولايات شرق السودان ...
فى كل أرجاء الدنيا لايخسر المزارع أطلاقاً فالدول تتدخل لمنع إنهيار الاسعار وبعض الدول الحكيمة تحدد المساحات التى ينبغى زراعتها من كل محصول سنوياً وتعوض المزارعين الذين لايدخلون الدورة الزراعية بأمر الحكومة بما يماثل قيمة الانتاج المتوقع كما يحدث فى الدنمارك وغيرها فضلاً أن هنالك العديد من الدول تدعم الزراعة والمزارعين دعماً  مباشراً يصل إلى مليارات الدولارات سنوياً وبالمناسبة أين صندوق درء المخاطر الزراعية السودانى طيب الذكر وأين دور شركات التأمين مما يجرى ؟؟؟؟...
إعتدت أن أكتب عن الهم العام وقضايا الحكم والسياسة التى تهم السودان كله ولكنى أكتب هذه المرة كأبن من أبناء الولاية وكمختص فى الاقتصاد الزراعى لاقرع الأجراس فهنالك بوادر كارثة إقتصادية مريعة  فى طريقها للحدوث لمزارعى مدينة كسلا وستتكرر فى الجزيرة ونهر النيل اللذين يتوقع دخول إنتاجهم الكبير من البصل فى الشهرين القادمين الواحد تلو الآخر ....
نحن بالطبع لانطالب حكومة الولاية او الحكومة المركزية بتعويض مزارعى الولاية فنحن ندرك البئر وغطاها ولكننا نقول للأخ الوالى محمد يوسف  واركان حربه فى الولاية ..... حوبتكم هى إنقاذ الموسم الزراعى لمزارعى الولاية بإلغاء الرسوم والجبايات وتوفير الجازولين بالاسعار المدعومة لانقاذ الحصاد والنقل للمحصول الكبير الاستثنائى وإيجاد المنافذ للتسويق أو التصنيع ودعونى أخيراً أهمس فى آذانكم  بأن السياسة الحقة هنا هى الاهتمام بهذا الامر الذى يبدو بسيطاً ..البصل ..!!!!
////////