بسم الله الرحمن الرحيم


لا يختلف السودانيون فى أن الأزمة السودانية بابعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة  قد إحتدمت وبلغت ذروة إحتقانها منذ فترة طويلة وبالطبع لا يختلف إثنان من أن مسارات المستقبل السودانى تتجه إلى مسارين إثنين لاثالث لهما وهما إما توافق وطنى لايستثنى أحد وتقدم فيه كل الاطراف السياسية السودانية التنازلات المطلوبة التى تخرج البلاد إلى بر الأمان والسلامة أو حدوث تغيير سياسى عنيف إما عن طريق ثورة شعبية شاملة عنيفة هذه المرة وغير مأمونة العواقب أو بتقدم الجبهة الثورية فى ميادين القتال  ودخول البلاد فى حالة حرب أهلية شاملة لاتستثنى أحد أيضاً ...
لذلك حبس الشعب السودانى أنفاسه فى إنتظار الخطاب المفاجأة الذى وعد به قادة المؤتمر الوطنى جماهير الشعب السودانى وكانت المفاجأة هى عدم وجود مفاجأة تستدعى كل هذا الانتظار والترقب والتأهب من جماهير الشعب السودانى بل ومن القيادات السودانية السياسية العتيدة والعتيقة التى سارعت الى تلبية الدعوة بالحضور وعلى رأسها المهدى والترابى وغازى , تبع ذلك فى المقابل حدوث حالات إحباط واسعة  فى الشارع السودانى وإحساس مرير لدى النخب السودانية بضياع فرصة تاريخية نادرة للتوافق الوطنى والسياسى وإبتدار مرحلة سياسية جديدة للشعب السودانى ...
من أولى الملاحظات التى أجمع عليها معظم المعلقين أن الخطاب قد صيغ بلغة فلسفية متعالية عسيرة الفهم ولم تكن بالطبع مناسبة  فى صياغتها ولغتها لجهة الجمهور المخاطب به وهو جموع الشعب السودانى بمختلف فئاته ومستوياته التعليمية أما بالنسبة للنخب السياسية التى عناها معدو الخطاب  فلم تجد فى الخطاب سوى دعوة عامة للحوار حول محاوره الاربعه بدون إقتراح آلية وميقات للحوار أى أن الخطاب كان خطاب علاقات عامة كما وصفه بعض القادة المعارضين  ولعله يصدق عليه  المثل السودانى "حبال بلا بقر ..!!! "
أجمع العديد من المراقبين على أن الخطاب الذى قام الرئيس بقراءته لا يعد الخطاب الأصلى  الذى طالما انتظرته الجماهير بل وأتفقت على مضمونه بعض النخب السياسية مع السيد الرئيس كما يعتقد على نطاق واسع ,  وأن هنالك ثمة خلاف وعدم اتفاق على محتوى الخطاب الاصل داخل صفوف القيادات المتنفذة داخل المؤتمر الوطنى أدى فى اللحظات الاخيرة إلى تأجيل قراءة الخطاب وإستبداله كحل وسط بديباجة ورقة الاصلاح السياسى التى كلف المؤتمر الوطنى مجموعة من مفكريه لاعدادها قبل بضعة شهور  وتتردد هنا أسماء د.أمين حسن عمر وسيد الخطيب والدرديرى محمد أحمد وربما وزير الدولة للاعلام ياسر يوسف وتأكيداً لهذه  الفرضية يلاحظ الغياب الواضح للقيادات العسكرية والامنية وعلى رأسهم الفريق بكرى نائب رئيس الجمهورية والفريق عبدالرحيم وزير الدفاع والفريق محمد عطا مدير جهاز الامن والمخابرات ...........
الخطاب رغم عدم التوفيق الذى صاحبه شكلاً وموضوعاً إلاّ أنه قد فتح نفاجاً فى جدار الاحباط والاحتقان السياسى الذى يكتنف البلاد ويلفها ويكاد أن يوردها موارد التهلكة والتشظى والانقسامات بل والحرب الاهلية الشاملة , فإعتراف المؤتمر الوطنى بالحاجة للحوار حول قضايا السلام والمجتمع السياسى الحر والهوية الوطنية وقضايا محاربة الفقر يعتبر إنعطافة سياسية جيدة تستدعى التجاوب معها والترحيب بها بل وتقديم ردود ومبادرات من كافة القوى السياسية المعارضة المدنية منها والمسلحة بل تستدعى من كافة فعاليات المجتمع المدنى السودانى التجاوب وتقديم المبادرات تجاه الحلول والمخارج من الازمة السودانية المحتدمة ...
أنظار السودانيون معلقة بعد الله بالرئيس البشير فى الخروج بالسودان إلى بر الامان وختام حياته السياسية بعمل مشرف يذكره له الشعب السودانى بل قد يخلده به التاريخ والطريق إلى ذلك واضح وبيّن فما يريده الشعب السودانى من الرئيس البشير هو المضى فى خط التغييرات القوية الجرئية التى إبتدرها بتغيير القيادات التاريخية للإنقاذ بتغيير قوى وجرئ فى السياسات أيضاً والمضى نحو الانفتاح والحرية والعدالة وترسيخ قيم المواطنة .. مايريده الشعب السودانى من الرئيس البشير التعالى على الحزبية والإرتفاع إلى مقامات الوطن والإنعتاق من قيد اللحظة الراهنة والسمو إلى آفاق المستقبل , مايريده الشعب السودانى من الرئيس البشير الوصول بكل الاطراف السياسية السودانية إلى مساومة تاريخية مشهودة يتعافى معها الوطن كله  ويدخل بها الرئيس البشير التاريخ السودانى من أوسع ابوابه فيخلد فى سجل الخالدين ...
نقول ذلك ونحن ندرك بأن الطريق نحو الاصلاح السياسى الشامل تكتنفه الكثير من المصاعب والعقبات من الابعدين بل ومن ذوى القربى أيضاً وهو كالطريق إلى الجنة معبد بالمكاره كما جاء فى الحديث الشريف , الطريق نحو الاصلاح الشامل يستدعى التعالى على حظوظ النفس والشح والإثرة ويستدعى أخذ شرفاء القوم من ذوى القربى والولاء السياسى بالعدل ويقتضى تعيين الرجل المناسب فى المكان المناسب وفق إعتبارات الكفاءة والقوة والامانة بعيداً عن إعتبارات الولاء والقبلية والمحاباة ويقتضى رد المظالم إلى أهلها فهل يمضى الرئيس فى طريق تغييراته الجريئة القوية مصوباً بصره وبصيرته نحو مستقبل أفضل لأمته لايثنيه عن ذلك نجوى صديق او قريب او حبيب إلاّ بالحق ....

لقد أسعفت الحكمة اليمنية القديمة اليمنيون فكادوا أن يصلوا مؤخراً لوثيقة تراضى وطنى يمنية تنبنى على قيم المواطنة بعيداً عن القبلية والعائلية والمذهبية كما قالوا إذا تجاوزوا  صراعات الحوثيين والقبائل المغذاة من خارج الحدود , أما التوانسة فقد أسعفتهم إستنارتهم المستوحاة من الجوار البحر متوسطى وحكمة ونجاعة قادتهم الكبار من لدن المنصف المرزوقى العلمانى وراشد الغنوشى الاسلامى للوصول بتونس الى دستور حظى باجماع وتوافق سياسى نادر الاجماع من كافة القوى السياسية التونسية والاتفاق على حكومة تكنوقراط تعبد الطريق نحو الانتخابات حيث تنحت لها حكومة العريضى "حركة النهضة" رغم إستحقاقيتها الإنتخابية الديمقرطية المستحقة ,  فهل تسعف الحكمة السودانية الموروثة والمعهودة قادتنا وزعماؤنا  وعلى رأسهم الرئيس البشير لإنتشال البلاد من الوهدة التى تنحدر اليها ومن المستقبل المظلم الذى ينتظرها حال فشل التوافق والتراضى الوطنى .... إنها القفزة الأخيرة سيدى الرئيس وأنت الضابط المظلى الحاذق ونرجو أن تكون فى المليان وليست قفزة  نحو المجهول ....!!!
نادر يوسف السيوفى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.