بقلم . نادر السيوفى
 
بسم الله الرحمن الرحيم

بقلم . نادر السيوفى

المملكة المتحدة – مانشستر

   

جرت مياه كثيرة تحت الجسر مابين آخر إنتخابات برلمانية ديمقراطية فى السودان فى العام 1986م والإنتخابات الحالية المركبة موديل 2010م ...بالنسبة إلىّ فالمفارقة بّينه بين الإنتخابات السابقة والحالية ,  كنت فى قلب إنتخابات العام 1986م بل كنت احد الفاعلين الهامين فيها إذا جاز التعبير .... كنت شاباً فتياً حديث التخرج من الجامعة ممتلئياً بالحماسة والتفاؤل بل قل كنت وقتها  أيدولوجياً مكتمل الأدلجة ..! ! أما هذه الإنتخابات فتجدنى بعيداً فى المهجر بالمملكة المتحدة لا املك سوى متابعتها من خلال الإنترنت  ومكالمات الاصدقاء وتحليلاتهم .....

 

جاءت إنتخابات العام 86م بعيد تخرجى من جامعة القاهرة الأم بمصر فى منتصف العام 1984م و قدومى للسودان وعودتى إلى مدينتى كسلا فى ذات العام ... جئت للسودان وسمعتى كرئيس للإتحاد العام الطلاب السودانيين بمصر وناشط فى الحياة الطلابية والعمل العام آنذاك  تسبقنى حيث تم تفريغى من قبل قيادة الحركة الإسلامية للعمل الإسلامى وتم تكليفى بأعباء ثقال فى قيادة العمل الإسلامى بمديرية كسلا آنذاك والتى تشمل ولايتى كسلا والقضارف حالياً , وبالتالى حين قدوم الفترة الديمقراطية الثالثة فى العام 1986وبطبيعة الأحوال كنت احد المؤسسين للجبهة الإسلامية القومية بالمديرية حيث  تم إنتخابى أميناً سياسياً للجبهة الإسلامية القومية بمديرية كسلا و كنت أصغر الأمناء السياسيين للجبهة بالسودان سناً حينها  , وحينما جاءت إنتخابات العام 86م كنت بحكم موقعى التنظيمى رئيساً للجنة إنتخابات الجبهة الإسلامية بمديرية كسلا  .....

 

إذن جاءت الإنتخابات والتى أقبلنا عليها بكل الحماسة والعنفوان ... طبقنا كافة فنون وتكتيكات الإنتخابات التى حذقناها بالجامعات وخضنا الإنتخابات فى كافة دوائر المديرية الجغرافية والتى بلغ عددها 29 دائرة جغرافية فضلاً عن دوائر الخريجين الثلاث بنجومها المرحومين أحمد عثمان المكى ومحمد عثمان محجوب والأستاذ عبدالله أبوفاطمة

 أشعلنا الأرض حماسةً وملأنا الآفاق حركةً دوؤبة وعنفواناً وألقاً وتوهجاً , عقدنا عشرات المحاضرات والندوات والملتقيات السياسية , أدخلنا أدب عروض الفيديو فى قرى القاش النائية والتى تفتقر للكهرباء والخدمات , وزعنا الآف البوسترات والملصقات واللافتات القماشية وأقمنا عشرات المعارض واللقاءات السياسية ...

 جاءنا العديد من نجوم الجبهة الإسلامية وفرسان منابرها ...جاءنا المرحوم ودالمكى فأشعل المنابر حماسةً وصدقاً بحديثه الذى ينفذ إلى  القلوب مباشرةًً وبدون واسطة , جاءنا الشيخ إبراهيم السنوسى والشهيد حاج نور , جاءنا دكتور حسن مكى والدكتور على الحاج واللواء معاش الفاتح عابدون والأستاذ أحمد عبدالرحمن والشيخ موسى حسين ضرار رحمه الله  وآخرين من فرسان الخطابة والبيان ...

 إعتلينا المنابر وطفنا المديرية مدينةً مدينة وقريةً قرية , فى كسلا والقاش فى القربة والسكر فى همشكوريب وريفى كسلا فى المفازة والحواته فى القضارف ودوكة فى قلع النحل والبطانة فى الشواك الفاو وغيرها من ربوع كسلا والقضارف ... كان هنالك من حملة الشعلة المقدسة فى الدعوة والبلاغ والتنوير الكثير من الغياب الحضور ممن غابوا بأجسادهم وبقوا بأرواحهم وجلائل أعمالهم وحسن سيرتهم ... نذكر منهم نائبى المجلس الوطنى المنتخبين الشهيد أحمد حسن أوهاج فتى الهدندوة المقدام نائب دائرة همشكوريب والشيخ المرحوم حامد كفو نائب دائرة ريفى كسلا ونائبى دوائر الخريجين قائد ثورة شعبان أحمد عثمان المكى والقائد الفذ الرسالى المهندس محمد عثمان محجوب رحمهما الله .. نذكر أخانا صغير السن كبير المآثر الشهيد محمد جابر عبدالله , نذكر الوالد الأب , كريم الخصال والسجايا عمنا عبدالله الحسن محمد نور  الذى بذل كل ماله وجهده وفتح بيته وبذل وقته بل عمره فى سبيل مايؤمن به , نذكرالشهيد عبدالغفار عبدالله ونشهد له بالبذل كله والعطاء جله حيث كان مسوؤلاً عن الجانب الإدارى فى لجنة الإنتخابات ولطالما طاف أركان المديرية حتى قراها القصية ممتطياً صهوات اللوارى وبصات الأرياف وماتيسر من المتحركات واصلاً الليل بالنهار لايبتغى جزاءاً ولاشكورا ¸ نذكر أخانا فتى الحلنقة ندى الصوت بالقرآن وجامع مكارم الأخلاق الشهيد كرار محمد أرى  مؤسس و أول مدير لإذاعة ولاية كسلا  , نذكر فتيا القضارف المقدامين المرحومين عكاشة ومحمد أبوالقاسم تقبل الله جهادهم وصدقهم وبذلهم وعطاءهم الممدود المتصل ..

لا زلت أذكر ذلك اليوم والعم الصديق الشيخ  محمد أحمد عواض -رحمه الله رحمةً واسعة - والذى كان رئيساً لهيئة شورى الجبهة الإسلامية بمديرية كسلا وسياسياً مخضرماً طالما عرفته العديد من البرلمانات الوطنيه نائباً مستقلاص وعن مؤتمر البجة فضلاً عن كونه من كبار قادة سلك الشرطة قبل تقاعده , لا زلت أذكر عباراته وهو يسألنى عقب تقديمى تقريراً له عن نشاطنا الإنتخابى والذى بلغ تخوم الكمال كما كنا نظن , لازلت أذكر سؤاله لى عن ما هى تحوطاتكم تجاه الشنط والأكياس السوداء التى تأتى ليلاً ؟؟؟ وحينما إستفسرته عن ماهية الشنط السوداء لم يجب بل إكتفى بإبتسامة ذات مغزى ...
علمت فيما بعد أن تعبير الشنط السوداء إنما يقصد به تلك الشنط الممتلئية بالمال والتى توزعها بعض الأحزاب لشراء الذمم وتغيير الولاءات إلا أننى- يارعاك الله- أشهد بأننى طيلة الحملة الإنتخابية تلك  لم أقع على دليل مادى على هذا الضرب من الفساد , صحيح كنا نسمع بكثير من الإتهامات ولكن لم يكن هنالك ثمة دليل مادى ملموس يؤيد تلك المزاعم والإتهامات ...

 آه ... تلك أيام  لم يكن أعدى أعداء الإسلامييث ليتجرأ فى أن يقدح فى ذممهم أو فى أخلاقهم , كان غاية مايصفنا به خصومنا آنذاك على عهد أيام الطلب الجامعية بأننا سدنة مايوا وتلك ماكنا نعبأ بها بل كنا نردها بسلوكنا ونهجنا فى خدمة الطلاب حيث كان لنا فى ذلك المضمار بذلَ وعطاءَ وصدق وعرق ...

أما اليوم وللأسف اصبح وصف الإسلامى فى السودان فى مجمله مرادفاً لفساد الذمة والتطاول فى البنيان والتكاثر فى الزوجات والتمادى فى الطغيان والكبِِر وغمط الناس حقوقهم مما يجعلنا نردد مع جميل بثينة :

الأ ليت أيام الشباب جديد

ودهر تولى يابثين يعود

 

نعم تلك أيام- ياهدانا وإياك الله- لم تبلغ فيها الإنتخابات المثال الديمقراطى المطلوب ولكنها لا مقارنة ألبته بينها و الإنتخابات القادمة والماثلة بين أيدينا ... حيث كان ذروة الفساد حينها – فى العام 86م- هو شراء بعض الذمم والأصوات عبر سماسرة الإنتخابات من القيادات المحلية والقبلية والعشائرية بل وبعض القيادات الدينية المحلية منها ... كان الكابوس الكبير حينها هو التدخل الأجنبى بالدعم والمال بغرض رجحان كفة الحلفاء والنصراء من الأحزاب السودانية , مما عدته القوى السياسية السودانية الوطنية تدخلاً لئيماً وسافراً فى الشأن الداخلى السودانى ...

 

أما إنتخابات القرن الواحد وعشرين والتى نعيش أحداثها فى هذه الأيام فهى أمرَ آخر فوق التصور وأقرب مايكون للخيال ... تاتى هذه الإنتخابات والدولة بأكملها قد تم إختطافها من قبل الحزب الحاكم والذى أصبح حزب الدولة وأصبحت هى بورها دولة الحزب  , فالدولة وجهازها التنفيذى والقضائى والتشريعى هى حاج أحمد ومحمد أحمد لافرق بينهم بل يمكن أن يلعب أحدهم دور الآخر حسب الظروف وتقلبات الأحوال والمصالح ...!!!

 

تأتى هذه الإنتخابات –يارعاك الله –والحكومة وحزبها قد تطورا ففاقت أساليبهما وحيلهما حيل وأساليب الزينى بركات كبير البصاصين فى رائعة العبقرى الأديب المصرى جمال الغيطانى  , ألم تحسن الدولة وحزبها تمهيد الأرض قبل الزراعة ؟؟؟ ألم تصنع التعداد السكانىعلى عينها ووفق إرادتها ومصالحها ومن ثم قسمت الدوائر الجغرافية على هواها ووفق مشيئتها وإرادتها مماجعل تعداد الجنوبيين بالشمال لايتجاوز 300ألف جنوبى ومماجعل سكان سنكات يفوقون سكان بورتسودان عدداً ؟؟؟الأيؤكد الإتفاق الأخير بين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية بإعادة تعداد السكان بولاية جنوب كردفان وزيادة دوائر الجنوب بأربعين دائرة ألا يعد ذلك إعترافاً صريحاً من الحكومة وحزبها الحالكم بمزاعم الحركة الشعبية والعارضة بعدم صحة التعداد السكانى وتزويره ؟؟؟

 

ألم تباشر الحكومة وحزبها عملية التسجيل منفردةً لتسجل كماقالت وأفادت16مليون ناخب لايعلم أحد إلا المنفذون والله سبحانه وتعالى حفيقة أمرهم وهل فى بعض بدوائر دارفور مثلاً بشراً أم مجرد أسماء كما تساءل أحد زعماء الأحزاب  الكبيرة مؤخراً ....!!

 

إذن –يارعاك الله- هذه إنتخابات جديدة كل الجدة على المشهد السياسى السودانى ووسائل تزييف الإرادة الشعبية فيها تجاوزت صبيانيات *الشنط والأكياس السوداء* بالآف الأميال والفراسخ , مما يستدعى من القوى السياسية المختلفة إيلاء أهمية كبيرة لطرق كشف وفضح ممارسات الفساد جنباً إلى جنب مع فعاليات الترويج والإعلام وعمليات التصويت نفسها.....

 

إن من مقتضيات السلوك الإنتخابى فى إنتخابات القرن الواحد وعشرين هذه ,  أن  على الأحزاب وقوى المعارضة السودانية وفعاليات المجتمع المدنى وقواه الحية خاصةً نشطاء الفضاء الإسفيرى والصحافة شحذ أقلامهم ونحت عقولهم وفتح عيونهم وآذانهم لرصدوتوثيق كل أعمال تزييف الإرادة الشعبية وتزويرها ماظهر منها ومابطن وفضحها وإظهارها للعلن وإشهارها بقوة ووضوح كسلاح ماض لنزع ودحض شرعية الإنتخابات فى حال حدوث تزوير سافر وهو أمر وارد فى حال أحس القوم بفقدان المعركة وتزلزل الأرض تحت أقدامهم , فالمعركة بالنسبة للمؤتمر الوطنى معرطة حياة أو موت ولن يدعوا الفرصة لفقدانها فهى معركة بقاء وحياة بالنسبة لهم,  ألم يعد أحد كبراءهم القبور للمعارضة ويقرأ الفاتحة على جثث المعارضة قبل بداية الإنتخابات حتى ...؟؟؟

 

 إذن فإن من مقتضيات السلوك الإنتخابى الرشيد الإستثمار الفعال فى كافة وسائط الإتصال والمعلوماتية الحديثة والتى توافرت بما لايقارن بالعام 1986م ... فبالإضافة إلى رصد وفضح عمليات التزييف والتزوير المتوقعة فعلى الأحزاب الإستفادة من الغنترنت والفضاء الإسفيرى الرحب بتأسيس المواقع وطرح البرامج وإجتذاب المؤيدين , كذلك يمكن الإستفادة من الإتصالات الهاتفية للإتصال بالناخبين المحتملين وإستمالتهم عبر يطرح البرامج والافكار ...

 

وعلى ذكر الأفكار والبرامج نأمل فى إنتخابات القرن الواحد وعشرين أن نجد على أرض الواقع برامج واقعية تخاطب مشاكل المجتمع وقواه الحين  كالشباب والنساء وقطاعاته المؤثرة كالمزارعين والرعاة ....نتوقع برامج تناقش قضايا التعليم ومحتواه ومردوده من ناحية الكم والكيف ومدى ملائمته للإحتياجات المحلية والعالمية ,قضايا العلاج والتأمين الصحى ,  قضايا العنوسة والزواج , قضايا الأطفال اللقطاء , قضايا الأيدز والمخدرات والخمور , قضايا تخلف الزراعة وقطاع الثروة الحيوانية وبدائيتهما , قضايا التنمية المستدامة والمتوازنة بالإضافة إلى قضايا التباين بين الهامش والمركز إلخ ....

 

ختاماً هذه مجرد خواطر وتاملات استعرت فيها روح العنوان من كتاب موسوم للأستاذ الدكتورالمصرى  حسين أحمد أمين بعنوان *دليل المسلم الحزين إلى مقتضى السلوك فى القرن العشرين*  , أما لماذا السودانى الحزين فهذا مما لا يحتاج إلى إكثير إفصاح او ساطع بيان فالأحزان تحيط بالإنسان السودانى وتأخذ بخناقه خاصة وهو يقبل على مستقبل مجهول غامض الملامح ملئ بكل الإحتمالات  عقب الشهور القليلة القادمة على  الإنتخابات وإستفتاء الجنوب ..

 

اما مانرجوه أخيراً من إخواننا فى المؤتمر الوطنى وهم أصحاب المسؤولية الكبرى بحكم تمكنهم من مقاليد الأمور, أن يكضبوا الشينة وأن يقبلوا على ما تبقى من الإستحقاق الإنتخابى بكل الشفافية واللعب النظيف المسؤول  , وأن يفسحوا المجال للمتنافسين فى مجالات الإعلام الرسمى سواءً بسواء  وان يكفوا غلواء أجهزتهم الامنية ماظهر منها ومابطن , وان تتسع صدورهم للنقد والسجال الإنتخابى الساخن فهو تمرين حقيقى للديمقراطية المنشودة , وان يبتسموا قليلاً فى وجه الشعب السودانى وذلك بان يكبحوا جماح خطباء الوعد والوعيد وتقطيع الأوصال والبندول ولحس الكيعان ..

 

وكل إنتخابات وانتم والسودان بالف بخير ....

 

نادر السيوفى

المملكة المتحدة - مانشستر

 25/02/2010

nadir elsufi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]