بقلم: نادر يوسف السيوفى -مانشستر
بسم الله الرحمن الرحيم



كان من اللافت للنظر أن المؤتمر الوطنى ـرموزاً وجماهيراًـ لم يظهروا من الفرح والإنتشاء ما يتوافق مع الإنتصار الكبير الكاسح الذى حققوه فى الإنتخابات المتعددة التى جرت مؤخراً !!! بل إن الرئيس نفسه بدا زاهداً فى إبداء الفرحة والإحتفالات والعرضة بعصاه الشهيرة كما تعود أن يفعل دائماً !!...إذن فيبدوا أن الإنتصار الكاسح المتحقق أو المتخيل كان فعلاً فوق التصور والتوقعات بل تجاوز كل أنواع التخطيط والتدبير لدهاقنة وصقور المؤتمر الوطنى , كما أنه كان لعدم إعتراف كافة ألوان الطيف السياسي السودانى ومنظمات المجتمع المدنى والمراقبين المحليين والدوليين بنتائج الإنتخابات دور كبير فى ذلك ...

ولكن على أية حال فقد نفخ شيئاً ما فى أشرعة المؤتمر الوطنى الموقف المتهادن البين بين للاتحاد الأوربى والمبعوث الأمريكى والمواقف المؤيدة على إستحياء لنتائج الإنتخابات من جامعة الدول العربية والإتحاد الإفريقى ....

إذن فمن الأوفق والأجدى الأ نهرق المزيد من المداد فى تعداد مثالب وخطايا الإنتخابات ومفوضيتها فقد ٌسكب حبراً كثيراً فى ذلك , وعموماً فإن مثالب وخطايا الإنتخابات لهى جلية وظاهرة للعيان ولا نريد بالطبع مقارنتها بالإنتخابات التى تجرى فى العالم المتحضر ولكن يكفينا مقارنتها بالإنتخابات البرلمانية السودانية السابقة وآخرها إنتخابات العام    1986 والتى تعد متقدمة بأميال وفراسخ مقارنةً بالإنتخابات الحالية وخاصة من ناحية حيادية مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة , أقول ذلك وأنا شاهد عيان للتجربتين حيث كنت رئيساً للجنة الإنتخابات للجبهة الإسلامية القومية بمديرية كسلا آنذاك ...

الجديد فى الأمر أنه وبعد إعلان نتائج الإنتخابات خرج علينا المستشار الرئاسى د.غازى صلاح الدين بدعوته لحكومة عريضة تضم العديد من الوان الطيف السودانى بما فيها قوى المعارضة الرئيسية وقد كان الرجل واضحاً كعادته فى تبيين أن السودان مقبل على قرارات وإستحقاقات خطيرة من قبيل الإستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان وأن المؤتمر الوطنى على حد قوله لايريد تحمل المسؤولية التاريخية فى إتخاذ مثل هذه القرارات المصيرية لوحده . وقد كان حديث الرجل متسقاً أيضاً مع ضرورة إزالة الإحباط والإحتقان والإستياء الذى إنتاب القوى السياسية السودانية بعد مجريات الإنتخابات السودانية التى أبعدت نتائجها كل القوى السياسية السودانية المقاطعة والمشاركة منها من مجرد التمثيل الرمزى بالبرلمان ...
ولكن لم يلبث قليلاً إلا وظهر علينا الدكتور نافع على نافع بتصريح علنى آخر يجِب ما قاله الدكتور غازى صلاح الدين وفحواه أنه لن يتم إشراك قوى المعارضة التى قاطعت الإنتخابات وأن الحكومة القادمة ستكون (حكومة برنامج) وستكون حكومة تجانس وليست حكومة تشاكس ومشاكسة وأن الأمر متروك برمته للرئيس لتحديد من سيدخل ومن سيخرج من الوزارة ...

إذن فالإتجاه السائد لدى أهل الحل والعقد فى المؤتمر الوطنى هو ( حكومة البرنامج ) وهو أمرٌ حسن وهو فى الواقع ديدن كل الحكومات الوطنية فى العالم المعاصر فلا تكوّن حكومة فى أى دولة إلاّ وحاديها وهاديها برنامج واضح محدد الملامح والمعالم وفى واقع الأمر فلاتسعى تلك الحكومات إلاّ لتنفيذه بإعتباره وثيقة العقد والتعاقد بينها وبين جماهير ناخبيها وبه يحاسبها الناخبون...!!! ولكننا الوحيدون من دون باقى خلق الله المولوعون بهذه التسميات العجيبة , أفلا ترى عزيزى القارئ بأنك لا تكاد تسمع التأكيد بأن الإنتخابات حرة ونزيهة وشفافة فى أى مكان فى عالمنا المعاصر إلاّ فى عالمنا العربى العتيد! وحقاً يكاد المريب أن يقول خذونى..!!! !

مانريد أن نستجليه ونناقشه بهدوء مع سيادة الدكتور نافع هو هوية برنامج حكومة البرنامج التى تم إعلانها من قبل الرئيس  مؤخراً ,فهل إبتداءاً من برنامج (حكومة البرنامج) ترسيخ قيم دولة المواطنة أم إنه الإستمرار فى تدعيم دعائم دولة ( آل وطنى) ونعنى بها منسوبى المؤتمر الوطنى ومواليهم ومحاسيبهم  ؟؟ وهل من برنامج (حكومة البرنامج ) تحقيق العدالة السوية للجميع أم سيتكاثر الظلم وتؤخذ أموال وأراضى أهل السودان بغياً وظلماً كما حدث ويحدث  فى المناصير ومروى وكجبار ودارفور..؟؟ وهل من برنامج (حكومة البرنامج ) رد مظالم أهل دارفور وتعويضهم وتضميد جراحهم أم سيستمر نهج المخاتلة والخداع الذى يركز على الحل العسكرى الذى لايبقى ولايذر كما يحدث الآن ؟؟ وبالمناسبة متى ستلتزم حكومة البرنامج بعهودها ومواثيقها وقد أصبحت للأسف مثلاً فى العالمين فى خرق العهود والمواثيق ,  ألم يقالد الرئيس دكتور خليل إبراهيم  بالدوحة مبشراً أهل السودان بطى صفحة الحرب والدماء بدارفور قبل بضعة شهور ؟؟؟ ثم هاهى ذات حكومة الرئيس  تجيش الجيوش للقضاء على العدل والمساواة وهاهو الرئيس ذاته يصرح مؤخراً بأن أمام العدل والمساواة خيار الموت فى رمال الصحراء بالمالحة أو الإستسلام ولكأنه يستحضر فى ذهنه نموذج القضاء على تمرد التاميل وإستئصال شافتهم برغم كلفته الغالية وأنهار الدماء التى أريقت فى سبيل تحقيق ذلك الهدف المشئوم..!!!

وهل من برنامج حكومة البرنامج العمل الصادق لتحقيق وحدة البلاد أم أن المؤتمر الوطنى أزهد من الحركة الشعبية فى تحقيق وحدة البلاد وأعجل منها فى إنفصال الجنوب  وهل سيستمر نهج الشركاء المتشاكسين بين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية ويسهم بالتالى فى التعجيل بإنفصال الجنوب الذى يكاد أن يكون ماثلاً ومتحققاً , وهل سيكون الإنفصال للجنوب سهلاً ميسراً فى حال إنحياز الجنوبيين لخياره أم سيكون معمداً بالدماء والأشلاء والمرارات كإنفصال الهند وباكستان وبالمناسبة من هم الذين وراء الإنفصاليون الجدد فى منبر السلام العادل ومن الذى  يدعمه ويموله وينفخ فى ناره ؟؟؟

ثم هل من برنامج حكومة البرنامج رد المظالم وإعادةالحقوق المسلوبة لأهلها من عشرات الالآف من المواطنين السودانيين المنتشرين فى أصقاع المعمورة من ضحايا الصالح العام الذى شرد خيرة الكفاءات السودانية ...!!! بل هل فى البرنامج المنتظر أى بشارات بإعادة أجهزة الدولة المختطفه من قبل الحزب ومشايعيه إلى عموم الشعب السودانى ؟؟ فيعود بالتالىللخدمة المدنية ألقها وإستقلاليتها وللقضاء إستقلاله الحقيقى بعيداً عن سطوة الجهاز التنفيذى ويعود للقوات المسلحة والشرطة والأمن والأجهزة المشابهة إستقلالها وحيدتها عن التحزب والأدلجة المفسدة المضرة فيكون الولاء فعلاً لله والوطن لا للحزب والجماعة مهما علت وسمت أهدافها ومراميها , وبالطبع هل يعود للجهاز التشريعى نفسه و بمستوياته المختلفة إستقلاله واصالته فيعود معبراً حقيقياً عن قطاعات المواطنين كافةً ويحقق بذلك التوازن المطلوب فى توزيع السلطة والثروة بحيدة وعدالة وينزع بذلك فتيل التقاتل والإستشجار إلى الأبد   ....

وهل فى البرنامج المنتظر توفير الدعم الحقيقى لقطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والطاقات المتجددة وإستثمارها بالتخطيط والكفاءة والعلم  بعيداً عن المظهرية وطغيان مظاهر الإحتفاليات الفارغة السائد حالياً  لكى تشكل العمود الفقرى لللإقتصاد السودانىالمعافى بعيداً عن الإعتماد المطلق والفج على عائدات النفط الناضبة ثم هل من نية فى إعلان عائدات النفط بكل الشفافية أم إنها من أسرار الدولة الامنية وأن (كثرة النقة تذهب بالنعمة ...!!!) كما قال دكتور الجاز من قبل لا َُفض فوه....!!!

ثم يارعاكم الله هل من برنامج حكومة البرنامج الإهتمام وإعادة النظر فى سياسات التعليم والتدريب والتأهيل بمختلف اشكاله ليواكب إحتياجات الواقع المحلى والإقليمى والدولى وحتى يكون التعليم والتدريب والبحث العلمى قاطرة التقدم والتطور فى بلادنا بدلاً عن جيوش الخريجين المتعطلين أنصاف الجاهلين المنتشرين فى ربوع بلادنا ....!!!

ختاماً يا سعادة الدكتور فقد وافت المؤتمر الوطنى الآن  فرصة نادرة بإنفراده بالحكم تماماً كما إشتهى وأراد وهو يستطيع إن غلّب الباقية على الفانية وتطلع للمعالى بدلاً عن حظوظ الأنفس الشح وشهوات الدنيا الفانية , نقول يستطيع المؤتمر الوطنى أن يحدث إنعطافاً إيجابياً فى مسار العمل السياسي بالبلاد وذلك بالعمل على الإصلاح السياسي الحقيقى الذى يطال البنى والمؤسسات كافة بمافيها المؤتمر الوطنى نفسه وبالإنتقال التدريجى الحقيقى نحو دولة المواطنة والقانون والعدل بدلاً عن دولة الحزب الواحد القابض ولكم فى تجربة حزب العدالة والتنمية فى تركيا خير دليل وبرهان , فهل تفعلون ذلك أم سترجحون التاكتيكى على الإسترلتيجى ومصلحة الحزب على الدولة ونهج القوة والتعانف عوضاً عن تجميع الصفوف وتضميد الجروح ولم الصفوف ...؟؟؟

نادر يوسف السيوفى
المملكة المتحدة - مانشستر
يوليوا 2010م
nadir elsufi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]